العقل الباطن و هيمنته على الإنسان بقللم الكاتبة المبدعة منى المالكي
في كواليس النفس، وخلف ستار الوعي الرقيق، يمتدُّ بساطٌ من الأسرار لا يحده زمن، ذاك هو العقل الباطن؛ المحرك الصامت الذي لا ينام، والحارس الأمين لنسخة الروح الأصلية. هو ليس مجرد مستودع للذكريات، بل هو المصهر الذي تُسبك فيه أقدارنا قبل أن تظهر للعلن. إن العقل الباطن يشبه البحر العميق؛ بينما ننشغل نحن بزبد الموج على السطح، تتحرك في قاعه كتل الجليد الضخمة التي توجه مسار السفينة. هو لا يجادل، ولا يحلل بمنطق الحساب، بل يمتصُّ الكلمات كالأرض العطشى، ويحولها إلى واقع ملموس. إن قلتم له "أستطيع"، حشد جنوده من الإلهام والعزيمة، وإن قلتم "عجزت"، أغلق أبواب الممكن وأسدل ستائر اليأس. هو الصديق الذي يكتب خلفك ما تمليه عليه من أفكار، وهو الخصم الذي يواجهك بتبعات مخاوفك إن استسلمت لها. إنه لغة الرموز، وصوت الأحلام، والوميض الذي يلمع في لحظة تجلٍّ مفاجئة. هو تلك القوة التي تُبقي قلبك نابضاً وأنت غائب في نومك، وهو ذاته الذي يزرع في طريقك "الصدف" التي ليست في الحقيقة إلا انعكاساً لترددات روحك الداخلية من ملك مفاتيح هذا العمق، فقد ملك زمام التغيير؛ فما العقل الواعي إلا الربان، أما العقل الباطن فهو المحرك الذي يحمل السفينة إلى مرافئ النور، أو يلقي بها في لجج الظلام ، و يعيد الروح إلى نور الواقع الذي يعيشه الإنسان بعد ذلك كله و يرشدنا إلى الحقيقة التي لا تنتهي كما يكون المرشد الدائم الذي لم يأت بعده و كثير منا في مقابل هذا العمق الصامت، يقف العقل الواعي؛ ذلك الحارس اليقظ الذي يرى السطح ويحلل ويختار. هو موطن التفكير المنطقي، واتخاذ القرار، والتمييز بين الممكن والمستحيل وفق معايير الواقع. إنّه الذي يقول: “لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟”، بينما يكتفي العقل الباطن بالإجابة بالفعل لا بالسؤال. فالعقل الواعي أشبه بقبطان السفينة الذي يمسك الدفّة، يحدد الاتجاه ويقرأ الخرائط، لكنه لا يملك قوة الدفع. أما العقل الباطن، فهو المحرّك الكامن في الأعماق؛ لا يرى الطريق، لكنه يملك القدرة على السير فيه بلا توقف. فإذا اتفق الاثنان، انطلقت السفينة بثبات نحو غاياتها، وإذا اختلفا، اضطرب المسار وتاهت الوجهة بين رغبةٍ مدروسة ودافعٍ خفي. إن الكلمات التي يختارها العقل الواعي، والأفكار التي يكررها، ليست مجرد عبارات عابرة، بل هي أوامر تُرسل إلى العقل الباطن، فيستقبلها بلا جدال، ويحوّلها مع الزمن إلى عادات، ثم إلى سلوك، ثم إلى ملامح حياة كاملة. وهنا تتجلى العلاقة العميقة بينهما: الواعي يزرع، والباطن يُنبت ولذلك، فإدارة النفس لا تكون بإخضاع أحدهما للآخر، بل بتناغمهما؛ بأن يعي الإنسان ما يفكر به، ويهذّب ما يكرره، حتى لا يعمل المحرك في اتجاهٍ لم يختره القبطان. فحين يصبح الفكر الواعي نقيًّا، يصبح أثره في الباطن قوة دافعة نحو البناء لا الهدم منى المالكي المقال السابق اكتمالٌ لا يحدث مرتين بقلم الكاتبة المبدعة شهد محمد المقال التلي ن
الكاتبة زهراء الفتلاوي