حوار الكاتبة زهراء الفتلاوي مع الاستاذ يوسف عبد الواحد مرشد نفسي وكاتب ادبي ضيف مجلة الاصرار الثقافية
حوار الكاتبة زهراء الفتلاوي مع الاستاذ يوسف عبد الواحد مرشد نفسي وكاتب ادبي ضيف مجلة الاصرار الثقافية
ليس كلُّ من يُصغي يسمع، وليس كلُّ من ينظر يرى ما تخفيه الأرواح. هناك قلّةٌ تملك تلك القدرة الهادئة على التقاط ما تعجز الكلمات عن قوله؛ فتقرأ الصمت كما لو كان نصًّا كاملًا، وتفهم الألم دون أن تحاكمه. من بين هؤلاء يأتي يوسف عبد الواحد، المرشد النفسي والكاتب الأدبي، الذي جعل من فهم النفس الإنسانية رسالة، ومن الإصغاء لاضطراباتها طريقًا لمرافقة الإنسان نحو الوعي والتصالح مع ذاته. في هذا الحوار، نقترب من رؤيته وتجربته لنضيء شيئًا من عوالم النفس البشرية، ورحلة الإنسان في فهم ذاته والنمو من داخل صراعاته.
في البداية ارحب بحضرتك في مجلة الاصرار الثقافية ونبدأ بأحد الاسألة المهمة من هو يوسف عبد الواحد ؟
اهلاً وسهلاً ست ، سعيد بهذا اللقاء يُوسُف عبد الواحد مُدرب دولي مُعتمد ، كاتب ومؤلف كِتاب اللاوجود ( نصوص هاربة ) ، ، أرافق الاشخاص برحلة العبور من عقل يشك الى روح تعرف
استاذ يوسف بصفتك كاتبًا ومؤلفًا كيف بدأت علاقتك مع الكتابة؟ وهل كانت الكتابة شغفًا قديمًا أم جاءت لاحقًا في حياتك؟
بدأت ككاتب أفتش عن الكلمات اللي توصف الوجع ، وهناك تعلمت شلون الكلمة تلمس الداخل وتفتح أبواب الوعي ، كانت الكِتابة وسيلة وصول الى الناس لا غاية ، لاحقاً انتقلت الى التدريب النفسي حتى أساعد الناس يوصفون وجعهم المكبوت بنفسهم
.متى قررت أن تنتقل من مجرد الكتابة اليومية أو الفكرية إلى تأليف كتابك «اللاوجود (نصوص هاربة)»؟ وما الذي ألهمك للقيام بهذه الخطوة؟
ما ألهمني أن سر الكلام الهارب من الواقع لا يختفي ! بل يمكث داخل وجود الإنسان ، وهذا السر يحتاج الى ملاذ آمن للظهور ، عندها قررت أن تتحول الكِتابات من مجرد هواية الى وسيلة تعبر عن الذين لن تتم احتوائهم بطريقةٍ كافية
أثناء كتابة كتابك، هل شعرت أن الكتابة كانت وسيلة لفهم نفسك أو لمراجعة أفكارك الداخلية؟
" أُكتب حتى أراك " الكِتابة حرب المواجهة وهذا أصعب ما بها ، كثيراً ما أضعت الدرب لكن القلم أراني حقيقتي أن كانت زيف ام صحية ، الكِتابة وسيلتي الآمنة لأرى أنعكاس داخلي أمامي ، رغم ذلك كثيراً ما أبقى اتسائل : هل كُل ما أكتب حقيقة ؟ ام لا زلت اخدعني ؟
طيب استاذ يوسف هل يمكن للكتابة أن تكون وسيلة لفهم الذات أو علاجها؟
من نحن خلف هذا القلم ؟ قد تكون الكتابة وسيلة لفهم الذات وتفريغ مشاعر كثيرة نادراً ما شاركناها مع أحد لكن ليس كُل ما يكُتب يُعالج ، وهذهِ الأحجية اللذيذة تسعدني أحياناً رغم قساوته
أستاذ، ذكرت أن الكتابة وسيلة لتفريغ مشاعر نادراً ما شاركناها مع أحد، فهل ترى أن هذا التفريغ يجعلنا نرى ذاتنا بوضوح أكبر، أم أنه أحيانًا يضيف تعقيدًا على فهمنا لأنفسنا؟
كلتا الأمرين ، التفريغ يساعدنا أن نبوح بما خفنا الاعتراف بهِ سابقاً ، بما خشينا أن نُخدش إذا ظهر او يتم انتقادنا أو حتى نحنُ نرى أنفسنا بنظرة السوء والقبح ( وظيفة الكتابة أنها تحلل الشخص من دون فلاتر ) ، بذات الوقت ليس كُل ما يُكتب يُعالج ( معضم الامور تحتاج أستشارة مُختص او أحد قريب ليساعدنا أن نرى الدائرة من بعيد ونربط الخيوط مع بعضها دون تعقيد )
طيب استاذ هل يمكن أن تصبح الكتابة أداة مستمرة لفهم النفس البشرية وتطويرها، أم تظل مجرد وسيلة مؤقتة للتعبير عن المشاعر؟
وسيلة مرهونة بكاتبها ، فهو من يحدد ماهية المُراد منها ، وهذا يكشف مدى وعيه وأدراكه ، هل للقلم قوة بالتعافي ؟ أم لا ؟
بعد أن استعرضنا تجربتك الأدبية وقراءتنا لفكرة الكتابة أستاذ يوسف ما الذي دفعك للتوجه إلى علم النفس واختياره مسارًا دراسيًا وحياتيًا؟
كل حكاية من الاشخاص علمتني شلون الإنسان ممكن يولد من جديد إذا فهم نفسه صح . علم النفس وسيلتي اساعد الشباب أن يرون نور التعافي بداخلهم لأني مؤمن إيمان قطعي ان النور صداه أعلى من ظلام الأيام
طيب من وجهة نظرك، كيف يمكن للمعرفة النفسية أن تكون أداة لمواجهة الظلام الداخلي ؟
أول الدين معرفته " كما أن " من عرف نفسه قد عرف ربه " والكثير من الجمل المتشابهه تعلمنا أن للمعرفة قوة كبيرة لمواجهة المجهول والتوجه نحو الحقائق مهما تفرعت طرقها والبوابة الكبيرة للمعرفة هي التوجه نحو الداخل ( ففينا قد أنطوى العالم الأكبر ) من عرف نفسه قد عرف حدودها ومن عرف حدودها زال الغرور عن رحلة الوعي
أستاذ يوسف، كلامك يبين أن رحلة معرفة الذات تعيد ترتيب فهمنا للعالم ولأنفسنا، فهل ترى أن هذا التوجه نحو الداخل يمكن أن يكون طريقًا لمواجهة الخوف والغرور الداخلي، أم يحتاج إلى أدوات إضافية؟
رحلة المعرفة والصحوة النفسية ليست فردية بل تحتاج مُرشد وأدوات كثيرة ، قد تتغير وتختلف اثناء الرحلة بأختلاف حاجات النفس ومدى جاهزيتها لأنعكاس النور بداخلها ، احياناً رغبتنا وقلبنا يكونان مُلعقان بالشهوات الدنيوية الزائلة ولا ندرك ذلك لان الرغبة قد تتأثر بأختلاف المجتمع ، لذا تبرز أهمية الرفيق المُرشد اثناء الرحلة
من خلال تجربتك كمرشد نفسي، كيف يختلف الواقع العملي للإرشاد النفسي عن التصورات الشائعة لدى الناس؟
يؤسفني ان الشخص الذي يدخل جلسات نفسية يخاف البوح أمام الناس يهذا الأمر ، خوفاً من وصمة العار تجاه داخله ، رغم أننا نوقظ صوت التعافي بداخلهم ، واقعنا العملي ليس نصيحة عابرة بل خبرة تمثل الصوت الداخلي الذي ضاع تحت الألم ، وعلمنا نساعد الاشخاص بسماعه من جديد
أستاذ يوسف، كلامك يوضح أن الإرشاد النفسي يتجاوز مجرد تقديم النصائح، ليصبح رحلة لإعادة اكتشاف الصوت الداخلي الضائع تحت وطأة الألم والخوف من الحكم الاجتماعي. في رأيك، شلون يمكن للمرشد أن يساعد الشخص على تجاوز وصمة العار الداخلية ويبدأ بالبوح بما يشعر به دون خوف أو إحراج؟
البيئة الأمنة داخل غرفة العلاج النفسي هيَ البوابة لمدخل التعافي ، لا قيود بالكلام ، لا احكام على الشخص أو مشاعره ، أنصات جيد وتعاطف حقيقي ، عدم الضغط على المقابل للأعتراف ، كُل هل أدوات ان امتلكها المرشد النفسي رحلة العلاج تكون اسهل على المُراجع
أستاذ ، كلماتك تبرز أن غرفة العلاج النفسي هي مساحة مثمرة لاسترجاع الذات طيب شلون تضمن أن المراجع يقدر يبوح بما يثقل قلبه، ويستفيد من هذه المساحة لتحقيق تقدم حقيقي في رحلته النفسية؟
سمعة المُعالج أول بوابات الأمان ، بالأضافة لعدم استخدام خصوصيات المراجع لأغراض المحتوى والنشر او حتى الكلام عنها بين الناس ( هذا أكثر عامل يشكل فرق بنوع الأمان )، ناهيكم عن الامور التي ذكرتها سابقاً من خلال الانصات الحقيقي وعدم الحكم على الشخص مع تقديم حلول واقعية ورسم خطة تناسب طاقة المُراجع
هل هناك عوامل معينه يعتمد عليها الشخص عند اختياره للمرشد النفسي؟
المراجع الذكي هو الذي يدرس طبيعة المُعالج قبل ان يختار رحلة التعافي عبره ، مدى علمية المُعالج ، أمانته ، خبرته بهذا المجال وقوة النتائج المُحققة ، هل تتناسب أفكاره المُعالج وطرقه مع المراجع ؟ .... بالأضافة لعوامل أخرى تعتمد على حسب حاجة المُراجع
برأيك، شنو أكثر الأخطاء اللي يقع بيها الناس وهم يحاولون فهم أنفسهم أو معالجة مشاكلهم النفسية؟وهل من ضمن هذه الأخطاء اختيار المعالج النفسي الغير مناسب ؟
من أكثر الأخطاء الشائعة هي التعلق بالمعالج ، او محاولة تشخيص داخلهم بالأعتماد على وعيهم ومقالات السوشل ميديا او المنشورة ( التشخيص وظيفة المُعالج وليس المراجع ) ، بالأضافة احياناً المُراجع يعاند طريقة العلاج ليس لخلل بها بل لرفضه بالتخلي عن نسخته السابقة ( مقاومة داخلية تعيق التقدم ) وبالتأكيد ضمن الاخطاء أحياناً يكون اختيار المعالج غير صحيح المعالج يمثل نصف الرحلة من أحسن الاختيار سهُل طريقه
ممتاز استاذ يوسف بعد تجربتك في تقديم المحاضرات والجلسات النفسية، ما الشيء الذي تعلّمته عن الناس أو عن النفس البشرية ولم تكن تتوقعه في البداية؟
أنني لم أكن اعرف حتى نفسي ، وما توصلت اليه من المعارف لم يكن سوى قشور الظاهر ، كُل قصة أنسان تمر امامي تكون درساً لي بالأتعاض والمرونة وعدم الحكم على الناس ، صرت أكثر تقبلاً لهذا الكون وزال غروري بمعرفتي وانكسر الوهم
أستاذ يوسف، ذكرت أن كل قصة إنسان تمر أمامك تعلمك دروسًا في المرونة وعدم الحكم على الآخرين. ففي ضوء هذه التجارب، شلون توصف معنى الوعي بالنفس؟ وليش تعتبر هالخطوة ضرورية لأي تحول حقيقي في حياة الإنسان؟
الوعي الحقيقي يرتكز بعدم التعلق بالمسميات والظاهر منها فقط ، عدم التزمت بالرأي بل الانفتاح الإختلاف أحيانا ، عدم التقبل يقطع حلقة التواصل بينا وبين الآخرين ، ولا تعافي دون تواصل
من خلال تجربتك هل من ممكن للجروح النفسية المبكرة تظل تؤثر على الإنسان حتى بعد سنوات طويلة؟
تنعكس على علاقاته بأختيار شريك حياته ، صداقاته ، طبيعة عبادته لله تعالى او حتى الصورة المأخوذه عنه ، طبيعة العمل والسلوك اثنائه ، نمط الدراسة ، كلها بطبيعة جراح الناس
طيب أستاذ يوسف، شنو أبرز المؤشرات اللي تدل على وجود جرح نفسي لم يُعالَج بعد؟ وهل هاي المؤشرات يلاحظها فقط المعالج، أم يقدر المراجع نفسه يلاحظها، أو حتى الناس المحيطين بيه؟
فرط التفكير والقلق ، الهوس بالأنجازات ، عدم المرونة مع الداخل والناس ، الكثير من المؤشرات نستدل بها على وجود جراح لا زالت نشطة معضم الجراح لا تُلاحظ إلا بوجود مُرشد ومعضمها لا تُكشف إلا اثناء تواجدنا مع شريك حياة ، فوجود شريك حياة بقربنا يُعد مرأة تعكس داخلنا على طبيعته دون فلاتر
بعد ما يكتشف الإنسان جروحه النفسية، شلون يقدر يواجه صراعاته الداخلية بطريقة صحية؟وشنو اول خطوة يتخذها ؟
الاعتراف بطبيعتها وعدم انكارها وعدم الهروب منها ، المواجهة تكون بأن أعيشها مثل ماهي دون رفضها ( وتبقى لكل جرح طريقة بالتعامل )
العلاج النفسي يعالج كل الجروح النفسية ؟ ام يقتصر على عدد معين منها؟وماهو الفرق بين محاولة تجاوز الجرح النفسي بشكل مؤقت ومعالجته بشكل عميق؟
العلاج النفسي رحلة مساعدة تعالج كثير من الجراح ، نستمد قوة العلاج النفسي من مصدر الشفاء ( الله ) ، تجاوز الجرح : عدم المواجهة وكبته بينما علاجه الحقيقي يكون بالرجوع جذوره الاصلية ووضع الضماد عليها او قلعها من اساسها ( وهذا يتطلب قوة حقيقي عند المُراجع ) قوة مواجهة الداخل
استاذ يوسف عندما يواجه الشخص مواقف يومية تذكره بجروح أو تجارب مؤلمة من الماضي من وجهة نظرك شلون تنصح أنه يتعامل وياها؟
تفريغها كتابياً ، وعدم اتخاذ قرار سريع اثناء الشعور بل التأني لمضي العاصفة ويعدها تتضح الحلول ، او التوجه لأقرب مختص نفسي لطلب المساعدة
أنك أشرت إلى أهمية التوجه لأقرب مختص نفسي لطلب المساعدة، ليش برأيك بعض الناس يخافون من الاعتراف بأنهم يحتاجون دعم نفسي، وشلون ممكن يتجاوزون هالخوف ويقدمون على هالخطوة؟
أما لعدم تقبل المجتمع او الأهل لفكرة العلاج النفسي ووصفه فقط للمجانين ، أو عدم استعداد داخلي لدى المراجع ( خوف من ألم التعافي ) ، تجاوز الخوف يكون بالذهاب مباشرة دون تسويف ( هواي مخاوف ما تنتهي اله نقدم على خوض التجربة واستكشافها بنفسنا ، حتى نبني صوت يمثل داخلنا )
برأيك، هل من الممكن أن نغيّر نظرة المجتمع تجاه الصحة النفسية والعلاج النفسي بشكل عام؟ وكيف؟
أكيد ، مسؤولية تقع على عاتق المُعالج والمُدرب والمُرشد بنشر الثقافة عن أهمية العلاج النفسي وفائدة التعافي وتبنيد المُغالطات حول رحلة العلاج ، واقرب وصف لتصحيح المفهوم هو : أن العلاج النفسي هو ذاته الجهاد النفسي لا يختلف عنه شيء
استاذ يوسف شنو النصيحة اللي تعطيها للشخص اللي يشعر أن حياته متوقفة وما يعرف من وين يبدأ التغيير؟
لا توجد نقطة محددة للبدأ ، ابدأ من اي نقطة ، ابدأ حتى وإن لم تمتلك كل الادوات النفسية للتعافي ، أبدا والطريق سيتوضح من تلقاء نفسه وان صعب الامر فرحلة الالف ميل تبدأ بأستشارة
خلال رحلة التغيير، شلون ممكن الشخص يحافظ على استمراريته ويتجنب الانتكاسات أو فقدان الدافع؟
قبل مدة نشرت حلقة باليوتيوب عنوانها : كيف نستمتع برحلة التعافي من ضمن أشرت الى نقطة ( أهمية الاستمتاع اثناء الرحلة من خلال وضع جدول للمتع الصحية ) فالتعافي ليس حرب نفسية وألم فقط ، بل رحلة حياة تتخللها المُتعة ، بالأضافة أن يحيط الإنسان نفسه بمجموعة ساعية للتعافي هذا أحد المُحفزات القوية خلال الرحلة
رابط الحلقة
https://youtu.be/1LfY5zS-cwo?si=qSl1JPMGFGxanmz5
وفي الختام شنو الرسالة اللي تحب توصلها لقراء مجلة الإصرار عن أهمية الوعي بالنفس، مواجهة الجروح، والانطلاق نحو حياة أكثر توازنًا ونموًا؟
الاستمرارية والانضباط رغم فقدان الشغف هو الفارق بين الإنسان الساعي وبين الكسول او المُتعلق بالمشاعر ، استمروا بالرحلة حتى وإن فقدتم نور الطريق فالنور لا ينطفأ وسيتجلى مع الأيام
أستاذ يوسف، شكراً جزيلاً على وقتك الثمين ومشاركتك خبرتك العميقة معنا، كان حوار ممتع وثرى جدًا، وأسعدنا بمعرفة رؤيتك وتجربتك القيمة.
سعيد بهذا الحوار ست زهراء ، استمتعت وكان تجربة فريدة من نوعها من خلال مجلتكم ، أنوي التوفيق للمجلة وقُرائها
الكاتبة زهراء الفتلاوي