النسخة التي لا يعرفها أحد بقلم الكاتبة المبدعة ايلاف محمد

هناك نسخة مني لا يعرفها أحد.

نسخة لا تظهر في الصور، ولا تتحدث أمام الآخرين، ولا تعرف كيف تقول: «أنا بخير» دون أن تشعر أن شيئًا في داخلها ينكسر

ألتقي بها أحيانًا في آخر الليل، حين يهدأ العالم وتصبح الأفكار أعلى من كل الأصوات

تجلس أمامي، صامتة، وتنظر إليّ وكأنها تعرف كل الأسرار التي قضيت سنوات وأنا أخفيها

لا تسألني لماذا تغيرت، لأنها تعرف.

ولا تسألني من كسرني، لأنها كانت هناك.

تكتفي بالنظر، ثم تقول:

«كم شخصًا اضطررتِ أن تخسريه حتى تتعلمي ألا تخسري نفسك؟

ولا أجيب

لأن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى جواب، يكفي أنها أصابت المكان الصحيح

كبرت وأنا أظن أن القوة تعني ألا أبكي، ثم اكتشفت أن القوة أحيانًا هي أن تعترف بأنك تعبت

وأن الرحيل ليس دائمًا هروبًا، وأن الصمت ليس دائمًا رضا، وأن الابتعاد قد يكون آخر محاولة لإنقاذ شيء جميل من أن يتحول إلى شيء مؤلم

تعلمت أن المشاعر لا تموت عندما نتجاهلها

هي فقط تختبئ.

تنام في زاوية بعيدة من القلب، ثم تستيقظ فجأة بسبب أغنية، أو رائحة، أو شارع، أو اسمٍ عابر.

ولهذا، لم أعد أخاف من الأشياء التي تؤلمني

أخاف فقط من أن أعتادها.

فالإنسان حين يعتاد حزنه، يصبح غريبًا عن الفرح، وحين يعتاد الوحدة، يبدأ بالشك في كل يدٍ تمتد إليه

ربما لهذا أصبحت أكثر هدوءًا

ليس لأنني لم أعد أشعر، بل لأنني شعرت كثيرًا

حتى أنني صرت أعرف متى يجب أن أتكلم، ومتى يكون الصمت أرحم، ومتى يكون الرحيل أكثر صدقًا من ألف اعتذار

أما تلك النسخة التي تسكن داخلي، فما زالت هناك

تراقبني كل ليلة، وتذكرني بأنني مهما تعلمت كيف أبدو بخير، لا يجب أن أنسى كيف أكون بخير فعلًا.

وربما في يومٍ ما، لن أحتاج إلى إخفائها بعد الآن

سأفتح لها الباب

وأقول لها:

«لم تكوني ضعيفة… كنتِ فقط تحاولين النجاة بالطريقة الوحيدة التي عرفتها.»