قلبان في صدرٍ واحد بقلم الكاتبة فاطمة رياض التميمي

كان صباحًا رماديًا عاديًا في يوم شتائي بارد، ضبابٌ خفيف يغطي الطريق الضيق المؤدي إِلى ( مستشفى النور ) وهو المُستشفى الوحيد الموجود في المدينة الصغيرة على أطراف الغابة، صمت ثقيل يعمُّ ارجاء المُستشفى يكسره صوتُ خطوات المُمرضة ( ليان ) وهي تمشي في الممرات نحو الجناح النفسي كالعادة كُلّ صباح. ليان شخصية هادئة، ذكية، ذات شعر أسود وبشرة حنطية مائلة إِلى السمار قليلًا وتمتلك عيون عميقة يصعب قرائتها، ترتدي معطفها الأبيض بهدوء واتقان عكس قلبها الَّذي لَمْ يكن منظمًا أبدًا حيث كانت تبدو من الخارج كالركن الآمن لمنْ حولها أمّا من الداخل فَقدْ كانت مليئة بالشقوق تمامًا كَجدران المُستشفى العتيقة. لَمْ تكن تُحِبّ التحدث كثيرًا الا مع صديقتها المقربة المُمرضة ( سارة ) الَّتي تشبه ليان قليلًا حيث تملك الأخرى شخصية هادئة، عاقلة وناضجة، ذات عيون واسعة ورائعة ووجه بريء وطفولي. كانت ليان تحب الثرثرة كثيرًا مع سارة لأرتياحها لها، سارة تعرف جيدًا ماكانت تخفيه ليان خلف ابتسامتها الهادئة لأنها تعلم ان وراء تلك النظرات الصامتة هنالك طفلة خائفة عانت كثيرًا ولكنها اختارت الصمت بدل الأنهيار. في نفس ذلك اليوم أُضيف أسم مريض جديد إِلى ملف المُرضى حيث ان ليان لَمْ تكن تعرف ان هذا الأسم سيضيف إِلى حياتها معنى مُختلف وسيقلب عالمها ويُعيد لها اسئلة كانت مدفونة في ذاتها مُنذُ سنين. كانت ليان تجلس في غرفة الأستراحة في المُستشفى على الأريكة القديمة تحتسي قهوتها ببطء وعيناها نصف مغمضتين من قلة النوم، دخلت سارة وهي تحمل علبة عصير ورمقتها بِنظرة سريعة قبل أنْ تُكلِمها بِنبرة فيها الكثير مِن السخرية : سارة : هل مازلتِ تشربين الكثير من القهوة بدون سكر ؟ أتحبين تعذيب نفسكِ أم ماذا ؟ ليان، من دون ان ترفع عينيها : أنتِ الَّتي تحب أنْ تُعذب بنكرياسها بتناول هذا العصير الصناعي وتجلبه يوميًا معها كأنَّها طالبة في الأبتدائية. سارة : على الأقل هنالك طعم رائع في عصيري على عكس القهوة الَّتي تُحبيها، لا أعلم لماذا اكتئب بِمجرد رؤيتي لهذه القهوة في يديكِ. ضحكتا قليلًا ثُمّ سادّ صمت مُريح بينهما قبل أنْ تقطعه ليان وعيناها موجهة على فنجانها وهي تتكلم بشكل جدي : هل تعلمين إني أحيانًا أشعُر بأنّي لا أثق بإحد حتّى الأشخاص الَّذين تظهر عليهم ملامح الطيبة اعتقد انهم يمثلون أو يخبئون شيئًا اسوأ. سارة : وهل هذا الكلام ينطبق عليّ أيضًا ؟ ليان بإبتسامة خفيفة : أنتِ الأستثناء الوحيد الموجود في حياتي هذه لكن أحيانًا تُبالغين كثيرًا في حُبّك للحياة فأقول في نفسي بالتأكيد تخفي شيئًا. سارة تُمثل انها مصدومة : اوه، حقًا؟ اذن يأُسفني أنْ أقول لكِ اني لن أُشارككِ عصيري اليوم. ليان : لا أُريد عصيركِ هذا. سارة : حسنًا اذن استمتعي بِشرب قهوتكِ المُرّة السوداء. ثوانٍ من الصمت ثُمّ فجأة مدّت سارة علبة العصير تجاه ليان. سارة : هيا خذيه، فقط لأنك تبدين اليوم حزينة زيادة عن اللُّزوم. ليان تضحك بِهدوء وتأخذ علبة العصير : أنا دائمًا حزينة لكن الناس يسمونه هدوء. سارة بِنبرة جادة نادرة : لكن أنتِ أقوى من الَّذي تحاولين اظهاره للناس حتَّى وان كنتِ لا تثقين بإحد، أنا واثقة انَّكِ تستحقين اشخاص تثقين بهم. ليان تنظر لها بِنظرة امتنان وتقول بِصوت منخفض : أنا لدي واحدة. ذهبت ليان لتؤدي عملها في المُستشفى مثل كل يوم عادي، كانت خطواتها مُثقلة كَعادتها، تبحث عن نهاية يوم آخر بلا جدوى. جالت بين الردهات كَممرضة تقوم بواجبها دون رغبة وكإنسانة تحاول أنْ تهرب من نفسها وفجأة توقفت عند باب لَمْ تنتبه أنها بلغت إِليه ( غرفة 317 ) لَمْ تكن تقصد الذهاب إِليها. الأسم الذي كان على الورقة في ملف المُرضى في الصباح ( أحمد عبد الرحمن ) المريض الجديد. لَمْ يطلب أحدٌ منها أنْ تزوره لكنها شعرت بشيءٍ غريب يدفعها كما لو أنّها تنصت لنداء خفيّ، لَمْ تكن تؤمن بالقدر لكنها آمنت بالصُدف الَّتي تشبه الألم كثيرًا. ترددت لحظة ثُمّ طرقت الباب طرقًا خفيفًا ودخلت، كانت الغرفة باهتة، ضوئها مائل إِلى الرمادي ورائحة الدواء تختلط بسكونٍ ثقيل. كان يجلس على الكرسي قرب النافذة، لا ينظر نحوها ولا نحو أيّ شيء كان يملك شعر أسود اللون وبشرة حنطية وعيون ذات لون اسود وواسعات كان يبدو أنه في نهاية الثلاثينات من عمره. قالت بهدوء : مساء الخير، أنا ليان، مُمرضة هنا. لَمْ يَردّ ولَمْ يلتفت بلْ ظلّ جامدًا كأنّه تمثال بشري أو جسد بلا روح. تقدّمت خطوة وصوتها الداخلي بدأ يهمس… لماذا أشعُر أن هذا الصمت مألوف؟ لماذا أشعُر أنّي أقف أمام مرآة لا أمام رجل غريب؟ وجهه يبدو مرهقًا، لا وجهه يصرخ بصمتٍ أعرفه جيدًا، كأنه يختصرني. قالت بصوتٍ أكثر ليونة : هل تسمعني ؟ عندها التفت. عيناه لَمْ تكن فيهما حياة بلْ بحرٌ من التعب يشبه تمامًا ذاك الَّذي يطفو في قلبها مُنذُ زَّمن. قالت في نفسها : ياإلـٰهي…ماهذا الشعور ؟ لِمَ هذا الغريب يحرك شيئًا بداخلي؟

قال بهدوء دون أنْ ينظر إِليها طويلًا : لَمْ أطلب حضور أحد. ارتبكت. لَمْ تعرف بِمَ ترد لكنها بقيت واقفة ثم قالت : ولا أنا طلبت أنْ أكون هنا. ثُمْ صمتت. هو أيضًا لَمْ يتكلم، كان بينهما فراغ يشبه جرحًا مفتوحًا لا أحد يعرف كيف يُداويه. قالت في نفسها : رُبَّما لَمْ أكُن هنا من أجل عملٍ بلْ من أجل نفسي، رُبَّما أخيرًا وجدتُ أحدًا موجوعًا بما يكفي ليفهمني دون أنْ أنطق.كانت تحدّق فيه لا بفضول المُمرضة بلْ بعينٍ باحثة عن شيءٍ ضاع منها ذات يوم. لَمْ تكن نظراتها عادية بلْ كانت ثقيلة كما لو أنّه يقرأ صمتها لا كلماتها. سألته بصوت يكاد يُسمع : هل ترغب أنْ أخرُج؟ أجاب بعد لحظة دون أنْ يُغير ملامحه : افعلي ماتشائين. صمتٌ آخر ولكنه هذه المرة لَمْ يكُن مزعجًا بلْ كام راحةً مؤلمة، نوع من السكون الّذي تشتاقه بعد عاصفة. جلست على الكرسي القريب دون أنْ تنتظر إذنًا. ولأول مرة، لَمْ تكن تفكر في كونها ( مُمرضة ) بل امرأة مثقلة تبحث عن شيء، أيّ شيء ينقذها من الغرق. قالت في نفسها : يا لغبائي، لماذا جلست؟ كأنَّني كُنتُ أبحث عن ملجأ ووجدتُ هذا الغريب مثل قلبي، كم من غرباء في حياتي عبروا دون أثر لكن هذا لا أعرف لِمَ أريده أنْ يبقى. قال فجأة : تظنين أنّني مجنون، أليس كذلك ؟ تفاجأت لكنها لَمْ تُجِب فورًا. نظر إليها، هذه المرّة مباشرة بعينين تخفيان شيئًا أعمق من المرض. همست : وهل يُهمّ حقًا ما أظنه؟ ضحك ضحكة قصيرة كأنّها سخرية من كُلّ شيء ثُمّ قال : لا، لايهم. ثُمّ أضاف بعد صمت : لكنّك لا تشبهين باقي المُمرضات. ارتبكت لكنها لَمْ تُظهر ذلك وقالت : ولماذا؟ قال : لأن عينيكِ حزينة. لَمْ تعرف بمَ ترد ولَمْ تكن بحاجة إِلى رد. قالت في نفسها : عينيّ؟ هل يرى فيها وجعي؟ أمّ أنا منْ فضحت نفسي بهما دون أنْ أشعُر؟ أكاد أبكي لكن لا ليس الآن ليس أمامه لقد أعتدت أنْ أبدو قوية، أنْ أخفي كُلّ شي، فَلماذا الآن؟ لماذا معه؟ ثُمّ نهضت بهدوء وقالت بصوت منخفض : سأعود لاحقًا. كان بإمكانه أنْ يمنعها، أنْ يقول : ابقي… لكنه لَمْ يفعل. وهي خرجت، لا تعرف ان كانت هاربة منه أم من نفسها

كانت ليان تمشي دائمًا بين أروقة المستشفى كما اعتادت، تحمل ملفّات المرضى بِيد وشتات روحها باليد الأخرى لم يكن المكان يوحي بالحياة تمامًا كَقلبها الَّذي لَمْ يعرف الدفء مُنذ زَّمن، كانت ملامحها هادئة لا تشي بِما يختلج في داخلها من صراخ صامت. وفي الجناح الأخير كان هناك أحمد المريض المُشَخِّص بإنفصام الشخصية الَّذي يسكن في تلك الغرفة المعزولة، عينيه كانتا أصدق من كُلّ تقارير الأطباء، لَمْ يكن يهدي كالباقين بلْ كان يتحدث بِحكمة غريبة كأنَّ شيئًا فيه يراقب العالم عن بُعد. قال لها ذات يوم : أتعلمين، أكثر مايخيفني ليس المرض بلْ ألا يسمعني أحد. نظرت إليه ولَمْ ترد عليه لكنها سمعته، كأن صوته اخترق شيئًا مكسورًا بداخلها وفي خضم تلك الجلسات القصيرة بدأ شيءٌ مايتغيّر، لَمْ يكن أحمد مُجرد مريض بلْ كان أشبه بِمرآة تعكس شظايا قلبها القديم. كانت تكتب عنه كُلّ ليلة، تظن أنّها توثق الحالة لكنها في الحقيقة توثق نفسها. كتبت في الدفتر : كُنتُ في السابعة من عمري حين اختفت أُمي في تلك اللِّيلة الشتوية، لَمْ أصرخ لكنني ظللتُ أنظر للباب المُغلق وأتظاهر أن كُلّ شيء بخير. قالوا لي : كوني قوية. فَصرتُ كذلك حتَّى نسيت كيف أكون ضعيفة. توقفت عن الكتابة فجأة. كانت تلك اللِّيلة أطول من المُعتاد، أثقل من الهواء وأقرب إِلى صدرها من أيّ ليلة مضت. وفي الصباح دخلت غرفة أحمد كَعادتها بخطى مهنية روتينية دون أنْ تدري أنها كانت تتوق في قرارة نفسها لرؤيته ولو دون كلام لكن السرير كان خاليًا، الأغطية مُرتّبة كأن لَم يكن أحدًا موجودًا هنا قط. كانت النافذة نصف مفتوحة وستارة بيضاء ترفرف بِهدوء كأنّها تلوح له وهو يرحل. أحسّت بشيء يخنقها، شيء يشبه الوحدة لكنّه أرقى، يشبه الفقد لكنه أعمق. نظرت حولها بعينين لا تبحثان بلْ تفتشان في الغياب ثُمّ وجدت ورقة صغيرة موضوعة بعناية على الطاولة ففتحتها بيدين مرتجفتين وقرأت : ليان لَقدْ كنتِ الصوت الوحيد الَّذي عبر إليّ، لا لَمْ أكن مريضًا كما ظنوا، كُنتُ أختبئ، أُراقب وأنتِ منْ فتحتِ الباب. لا تبحثي عنّي، فقط أبحثي عن نفسك. لقد لاحظتكِ مُنذُ البداية، كُنتِ هناك دائمًا، تختبئين وراء ابتسامة باردة تمامًا كما كُنتُ أفعل أنا. نحن لسنا وحدنا فقط علينا أنْ نعترف بما نخفيه. أحمد. جلست ليان بِصمت تقرأ السطور مرارًا، لَمْ تبكِ لكن شيئًا ما انهار بِهدوء وشيء آخر بدأ يتكوّن. قالت في نفسها : لستُ مُضطرة لأن أبدو بخير بعد الآن، أحمد علّمني ذلك دون أنْ نودّع بعضنا. أغلقت ليان الورقة ببطء واحتضنتها كأنّها تحضن شيئًا من نفسها الَّتي أضاعت الطريق طويلًا، لَمْ يكن اختفاء أحمد نهاية بلْ بداية طريق لَمْ تكن تجرؤ على سلوكه.لأول مرة شعرت بدفءٍ صغير يتسلّل إليها من حيث لا تدري. كلما مرّت بجوار الغرفة القديمة شعرت بشيء غريب كأن أثره لا يزال هناك وكأن الجدران تحفظ سرهما معًا. قالت في نفسها : لطالما اعتقدت ان الألم عارٌ يجب إخفاؤه لكنّه قدْ يكون أحيانًا الباب الوحيد للشفاء، أحمد لَمْ يكن مريضًا… كان مُنقِذًا في هيئة شخص غريب. ليان لَمْ تعد تبحث عنه لكنها بدأت تبحث عن ذاتها الَّتي خبأتها لسنوات خلف المهنة والواجب. لَمْ تعد تخاف من الفراغ بلْ صارت تعرف أن في بعض الغياب، ولادةً خفيّة لِحياة أخرى. وفي أحد الدفاتر الصغيرة الَّتي بدأت الكتابة فيها، كتبت جملة وحيدة أسفل الصفحة : أحيانًا نحتاج أنْ نضيع لِنُولد من جديد. _ من كتاب ( مشاعر مُرسلة )

هاي القصة من كتاب( مشاعر مُرسلة ) الورقي

من إعدادي اني والمعدة زهراء حازم الأبراهيمي