يوجد من الغرابة ما يكفي بقلم الكاتبة المبدعة زينة زياد اللهيبي
بعد المخاوف المتراكمة والتردد الذي كبّل خطواتي لزمن، وبعد أن طويتُ صفحة المجازفات التي لا تُحصى، استحال ذلك الخوفُ شجاعةً، وغدا التردد إقبالاً، وصارت الخسارات السابقة كأنها تمهيدٌ لعوضٍ أبهى.
في صباحٍ من صباحات ديسمبر الباردة، كان الظلام ما يزال يبسط سدوله على المدينة قبل شروق الشمس. استيقظتُ في حدود الخامسة صباحاً، تحملني رغبة جامحة للوصول إلى ذلك المكان، طمعاً في نيل عملٍ طالما شغفني حسنه وراقت لي فكرته. غير أن ذلك الصباح لم يكن أليفاً؛ ثمة شعور شؤم خفيّ كان يجثم على صدري دون سبب أعرفه. واصلتُ السير نحو وجهتي، حتى بلغتُ الموقف في انتظار الباص.
وما هي إلا لحظات حتى بدأت الشمس تشرق من بين الغيوم، فبدت خيوطها الدافئة كأنها تمسح على حواف الشارع المقفر. رميتُ بنظراتي تائهةً حول المكان، فوقع بصري على رجلٍ عجوز يجرّ أمامه عربةً بسيطة لبيع الذرة. كان الفقر منطبعاً على ثيابه المتهالكة، وهيئته التي أنهكها الكدّ. أطلتُ النظر إليه وهو يناول المارة حبات الذرة الدافئة، حتى شعر بثقل نظراتي، فالتفت إليّ بنظرة أليفة وتساءل بصوت منخفض:
— «ما بكِ يا بنيتي؟ هل تودين تجربتها؟»
ثم مدّ إليّ قبضة من الذرة بيديه اللتين تملؤهما التجاعيد والشعيرات الصغيرة ذوات اللون الابيض. أخذتها منه، لكن ملامح وجهي ظلت مطبقة على انقباضة تشاؤم تدل على رهبة يسكنها الخوف من الفشل.
لاحظ العجوز ثقل وجهي ، فاستفسر بوقار:
— ما الذي يثقل صدركِ هكذا؟
فأجبتُ بنبرة خبا فيها الأمل:
— لم يحالفني الحظ يوماً في نيل العمل الذي أطمح إليه...
توقف لحظة، ثم أردف مستفهماً:
— وهل أنتِ عاطلة الآن؟ أهذا ما يزعجكِ؟
— لا، لدي مجالات متعددة أعمل بها، غير أني أودّ بلهفةٍ أن أحظى بفرصة في شركة مرموقة... أظن أن مكاني هناك، وأرغب في ذلك بشدة.
نظر إليّ بعينين عميقتين يشبه لونهما بساطة البحر في يوم غائم، تحيط بهما رموش مصفوفة بدقة وكأنها تخوض معركة أناقة خفية مع الزمن. كان يُرى من وراء تلك النظرة ماضٍ قاسٍ و قصة حزينة توارت خلف الأيام، حتى فقدت عيناه بريقهما القديم وغدتا مغرورقتين بحزنٍ أليف دون أن تهرقا دمعة واحدة. تمتم بكلمات لم أتبينها، ثم افترّت شفتاه عن ابتسامة هادئة وقال:
— يا بنيتي... إن هذا العالم واسعٌ، وفيه من الغرابة ما يكفي ليجعل المرء يدرك حقيقة ما يتمنى. أما الأحلام فهي كثيرة، يروق لنا خيالها ويغذّي طموحاتنا حتى يدفعنا لرفض الواقع.
لكن الأحلام ـ يا بنيتي ـ لا قدرة لنا على الإمساك بها أو توجيهها إلا في النادر اليسير. الرضا هو باب السرور؛ فإن رضيتِ بما في يدكِ اتسع قلبكِ، وحينها فقط ستدركين أن ما بين يديكِ كافٍ ليمنحكِ الطمأنينة. القناعة كنزٌ يا ابنتي... وتشاؤمكِ هذا لن يغير من قدركِ شيئاً، ولا الهمّ ببالغٍ بكِ مقصداً. ارضي بما حولكِ، فمتى ما رضيتِ تزاحمت عليكِ النعم والمسرات؛ فليس كل غني بسعيد، ولا كل فقير بمحروم. نحن نملك أن نغير حالنا للأفضل، ولا أريد أن أهز عزيمتكِ عن السعي، لكنه تذكيرٌ وُجِب: فالزيادة كالنقصان إذا تجاوزت حدها. ارضي بما بين يديكِ، وعيشي يومكِ هذا دون أن تحمّلي كاهلكِ وزر الغد، وانسي الأمس فقد مضى. إن ما قُدّر لكِ سيأتيكِ ولو بعد حين، وما كان لكِ لن يضلّ طريقه إلى غيركِ... كل شيء يجري بُمراده في وقته الصحيح. ربما كانت خطتكِ مجرد سعي في جزء ضئيل من هذا العمل، بينما تدبير اللّٰهِ يخبئ لكِ رزقاً أوسع وأشمل... فلا تسبقي الأحداث. إن لم تكوني تعملين ما تحبين، فأحبي ما تعملين.»
ثم أمسك العجوز بمقبض عربته، وواصل طريقه بين المارة ببطء ووقار.
وقفتُ بمفردي أنصتُ لصدى كلماته التي أزاحت عن صدري جمراً مكتوماً. شعرتُ حينها أنني أملك الكثير مما كنتُ أغفل عنه، وأن السعادة قد لا تكون فيما أشتهي وأسعى إليه، بل فيما أقبض عليه وأقنع به.
أليس هذا العالم غريباً بحق؟ أن أقف في موقف الباص بانتظار رحلة سعيتُ لها، لألتقي بعابرٍ غريب يغير وجهة فكري ورغبتي؟
عدتُ أدراجي من حيث أتيت، متخففةً من أوهام التمني، قانعةً بما لدي... فقد صدق العجوز حين أودعني حكمته: «إن لم تكن تعمل ما تحب، فأحبب ما تعمل».
الكاتبة زهراء الفتلاوي