خلود كلكامش في ارضه بقلم الكاتبة المبدعة زهراء يونس الكلابي

خلود كلكامش في ارضه بقلم الكاتبة المبدعة زهراء يونس الكلابي
خلود كلكامش في ارضه بقلم الكاتبة المبدعة زهراء يونس الكلابي

بين طيات الزمان والملاحم وجد اعظم ملحمة عراقية 

وبين نسيج الحكاية تكون بعض المشاعر فلم يعد صراخ إنكيدو يملأ الغرفة ذاك الصوت الذي كان يجور الذئاب في صحراء نيبور، تحول إلى هدير خافت في فم كلكامش وهو يضع جبهته على صدر صديقه البارد للمرة الأولى في حياته، لمست يده جسدًا لا ينبض جسد كان بالأمس فقط يقذف بولغيس بذراع واحدة، واليوم صار أثقل من ألف طوبة طينية كان مشهد غريب يملئه الحزن والخوف معاً 

"انهض" همس كلكامش، ويده ترتجف على كتف إنكيدو

"أنت تُمازحني هذه لعبتك البرية الجديدة، أليس كذلك؟ كان يريد جواب يطبطب عليه ثقل الشعور الحالي 

لكن الصمت كان هو الإجابة الصمت ذاك الذي يلي العواصف، عندما تتوقف الرياح وتدرك أن الأرض قد ابتلعت كل شيء شعر جلجامش ببرودة غريبة ليست برودة المعارك، ولا برودة الليالي الجميلة فوق سور المدينة 

نهض فجأة، مبتعدًا عن الجثة نظر إلى كفيه، نفس الكفين التي سحقت جمجمة حومبابا، ونظر إليهما الآن وكأنهما غريبتان

ثم قال "هذا لا يحدث لي أنا كلكامش، ثلثا إله، الدم الإلهي يجري في عروقي ولا يجف!" لايمكن ان اموت وبدئ الخوف يسير بارجائ جسده وتصورت له فكرة الخلود

لكن إنكيدو كان ممددًا، عيناه تحدقان في سقف المعبد وكأنهما ترى عالمًا آخر لحظة عابرة، تمنى كلكامش لو أن قدر الموت قد حلّ به هو بدلاً من صديقه، ليس حبًا في إنكيدو فقط، ولكن فضولاً بأن يشعر بما يشعر به الصديق الآن فضول سرعان ما تحول إلى رعب، رعب طفولي لم يختبره منذ أن رضع حليب أمه الإلهة نينسون

وتذكرك شيئا 

"هل يحدث هذا للجميع؟" سأل نفسه بصوت مسموع، وهو يتراجع نحو الحائط، ظهره يلامس الطوب البارد "هل يزحف هذا الظل إلى قلبي يومًا؟ هل سأصبح يومًا غبارًا مثله؟" وبدءا 

تخيل نفسه ممددًا، وجهه شاحبًا، أصدقاؤه يبكون، والمدينة تنساه شيئًا فشيئًا، كتل مائية تذوب في نهر دجلة لا جدران ستبقى، لا ألقاب، لا تضحيات، لا ثيران للسماء، لا شيء كل تلك المغامرات، كل تلك الانتصارات، كانت مجرد بصمات على رمال، موجة واحدة من الأبدية تكفي لمحوها كان مشهد عظيم ومرعب

أحس بغصة في صدره كأنه يبتلع رمادًا ركض إلى فناء المعبد، رافعًا رأسه إلى السحاب حيث تسكن الآلهة صوته أصبح جارحًا، مبحوحًا:

"أين أنتم يا آلهتي؟! كيف تتركون من يحب يتحول إلى هذا؟! أنا لحمكم ودمكم! كيف تسمحون للموت أن يلمسني؟!"

لكن السماء كانت صامتة ك فؤاد إنكيدو فقط نسرٌ كان يحلق عاليًا، ربما إلى الأبدية سقط كلكامش على ركبتيه في التراب، وللمرة الأولى في عمره الطويل، بكى كرجل أضاع مرساته في عاصفة حفر أصابعه في الأرض ونظر إلى حبات التراب التي تعلق بين أظفاره، 

نهض وهو يرتجف، مسح دموعه بظهر يده، ولكن في عينيه تغير شيء اختفت شهية المجد، وظهرت مكانها شهية الجحود، الجحود على القوانين الإلهية، الرغبة الجامحة في خرق المستحيل تذكر فجأة قصة أوتنابيشتيم، الرجل الذي أوتي الخلود ذات يوم، سمع بها من البحارة بينما كانوا يشربون نبيذ النخيل في الموانئ البعيدة

"سأجده" همس للتراب الذي يلف جسد صديقه "سأجده ولو كان في قاع العالم السفلي لن يموت كلكامش سأسرق سر الخلود من الآلهة كاللص، سأجعل هذه الجدران تشهد على ناموس جديد... ناموسي أنا."

قالها، ولكن في قلبه، كان يعرف الحقيقة التي يخفيها عن نفسه لم يعد يريد الخلود لخلود إنكيدو، ولا لإكمال مملكته كان يريده لأجل نفسه، لأنه للمرة الأولى قد تذوق طعم الخوف والهشاشة الكونية ، وعرف أن الإله الذي بداخله كان مجرد قناع بشري على وشك السقوط نهض كلكامش، وأدار ظهره للمعبد، متجهًا نحو البوابة الشرقية حيث تبدأ الصحراء حيث الأبدية أو النهاية خطواته كانت ثقيلة، لخوف الأزلي الذي يدفع الإنسان لأن يصبح إلهًا، أو أن يموت محاولاً وان نعلم لاشيء يبقى كما هو حتى نحن