ما الذي تبقّى منّا؟ بقلم الكاتبة المبدعة زهراء المرسومي
لم نكن نعرف أنّ الحياة تستطيع أن تغيّرنا بهذا الهدوء؛ أن تأخذ من أرواحنا شيئًا صغيرًا في كلّ مرة، حتى يأتي يومٌ ننظر فيه إلى أنفسنا، فلا نتعرّف إلى أولئك الذين كنّاهم.
لم يحدث الأمر دفعةً واحدة. بدأ بتنازلاتٍ ظننّاها مؤقّتة، وأحلامٍ أجّلناها إلى حين تتحسّن الظروف، وكلماتٍ ابتلعناها لأنّنا لم نكن نملك طاقة خسارةٍ أخرى. ثمّ مضت الأيام، واكتشفنا أنّ بعض ما نؤجّله لا ينتظرنا، وأنّنا قد نقضي أعمارنا نهيّئ أنفسنا للحياة، دون أن ننتبه إلى أنّها تمضي بالفعل.
قسوة الحياة ليست دائمًا فيما تأخذه منّا، بل فيما تضطرّنا إلى أن نصبح عليه كي نستمرّ. أن نتعلّم الصمت حين نحتاج إلى الكلام، وأن نبتسم كي لا نقلق أحدًا، وأن نقول «لا بأس» لأنّ شرح ما بداخلنا صار أكثر إرهاقًا من احتماله.
ومع الوقت، نصبح بارعين في إخفاء تعبنا. يرانا الآخرون نواصل أيامنا، فيظنّون أنّنا بخير، ولا يعرفون أنّ بعض الاستمرار ليس قوّة، بل اضطرار؛ وأنّ هناك من ينهض كلّ صباح، لا لأنّه تجاوز ما يؤلمه، بل لأنّ الحياة لم تمنحه رفاهية البقاء حزينًا.
والأشدّ وجعًا أنّنا، ونحن نحاول النجاة من قسوة العالم، نبدأ بممارسة القسوة نفسها على أنفسنا. نطالبها بالصبر حين تحتاج إلى المواساة، وبالقوّة حين تحتاج إلى الاستناد، ونؤجّل راحتها إلى أن ننتهي من مسؤولياتٍ لا تنتهي. كأنّنا نحتاج إلى إذنٍ كي نتعب، أو إلى سببٍ مقنع كي نستريح.
ثمّ يأتي يومٌ لا نحزن فيه على الأشياء التي فقدناها فحسب، بل على أنفسنا التي كانت معنا حين فقدناها. نشتاق إلى عفويّتنا القديمة، إلى أحلامنا التي لم تكن تخاف، وإلى قلوبنا التي كانت تفرح دون أن تتوقّع أن يعقب الفرح شيءٌ يؤلمها. ونكتشف أنّ بعض الخسارات لا تترك فراغًا في حياتنا، بل تغيّر الطريقة التي نعيش بها ما تبقّى منها.
كم من إنسانٍ اتّهمناه بالتغيّر، بينما لم نكن نعرف كم مرّةً حاول أن يبقى كما هو؟ وكم قلبٍ حسبناه باردًا، وهو في الحقيقة متعبٌ من شرح أوجاعه؟ نحن نرى ملامح الآخرين، لكنّنا لا نرى السنوات التي مرّت عليهم، ولا الأحلام التي دفنوها بصمت، ولا اللحظات التي اضطرّوا فيها إلى الاختيار بين ما يريدون وما تسمح به الحياة.
ولعلّ أكثر ما يحتاجه الإنسان ليس حياةً خاليةً من الألم، بل حياةً لا يُضطرّ فيها إلى محاربة كلّ شيءٍ دفعةً واحدة. أن يأتي يومٌ لا يحتاج فيه إلى التظاهر بالقوّة، ولا إلى تبرير حزنه، ولا إلى إقناع نفسه بأنّ ما يشعر به لا يستحقّ الالتفات. يومٌ يستطيع فيه أن يقول: لقد تعبت، دون أن يخشى أن تقلّ قيمته في أعين الآخرين.
فليس كلّ من وصل قد وصل كما كان، وليس كلّ من ابتسم قد نسي، وليس كلّ من اعتاد الصبر لم يعد يحتاج إلى يدٍ تمتدّ إليه. بعض الناس لا ينقصهم أن يكونوا أقوى؛ ينقصهم أن يجدوا مكانًا لا يحتاجون فيه إلى القوّة.
وربّما لا نستطيع استعادة السنوات التي أمضيناها نحاول النجاة، لكنّنا نستطيع ألّا نقضي ما تبقّى منها في تأجيل أنفسنا. أن نفهم أنّنا لسنا مطالبين بحمل كلّ شيء، وأنّ التعب لا ينتقص منّا، وأنّ الحياة التي نؤجّل عيشها حتى تصبح مثاليّة قد لا تمنحنا يومًا تلك الفرصة التي ننتظرها.
فما أقسى أن يقضي الإنسان عمره يتعلّم كيف يتحمّل الحياة، ثمّ يكتشف أنّه، في كلّ مرّةٍ كان يقول فيها: سأرتاح حين تنتهي هذه الأيام، كانت أيامٌ أخرى من عمره تنتهي أيضًا.
الكاتبة زهراء الفتلاوي