حين يوقظني الرّيح بقلم الكاتبة المبدعة زينة رافد

في الحَادي عشر من دِيسمبر ، حين تراخت أنفاس الفَجر بين ذراعيّ ليلٍ طويل، جلستُ على مقعدٍ خشبيٍّ متآكلٍ في حديقةٍ هجرتها العَصافير. كانت الأشجارُ تلوّح بأغصانها، تتساقط منها أوراقٌ ذابلةٌ . بينَ يديّ مذكّرةٌ صغيرة، أوراقٌ بُنيّة وصورةٌ منسيّة، تحمل عند تخوّمها بقايا وعدٍ مائت .

لمحتُ ظلًّا يَتقرّب . خطواتٌ خفيفةٌ على العُشب الرّطب، وصوتٌ يشبه صدر الليل إذا تنفّس:

_ "ألم تملّي انتظاري؟"

بصوتٍ عاجز الوصول، أجبتهُ :

_ "كيف يملّ من تشرّب الغياب في دمهِ ؟"

جلس قبالتي ، يتأمل مَحاجري المُتآكلة من فرطِ النَحيب ، كمن يحفر فيهما وطنًا ، بعد تنهيدةٍ قال لي :

_ "كُل ليلةٍ أعود، أخلعُ المسافات عن كتفيّ لأجالسكِ. أتُصدّقين؟"

ارتعشت شفتيّ بابتسامةٍ مُتعبة :

_ "أصدّقك… وأكذّب هذا الحلم"

مدّ يديهِ ، نثرَ بين أصابعي أزهارًا ذابلة انتشلها من سياجٍ بعيد . فهمس:

_ "حين تُغلق الحَديقة أبوابها، أين تَذهبين بي؟"

نبستُ بخوفٍ وحنين:

_ "أخبّئك بين شقوق صدري، أغلق عليك كي لا يسرقك الفَجر"

ضحك بصوتٍ مبحوحٍ ،فقال:

_ "الفجرُ لا يسرق… وحده القبرُ يفعل"

ارتجفت .

أردتُ أن أسأله: «إلامَ تعني؟»

لكنه أستوقفني حينَ مدّ يده ليلمّم خُصالًا من شعري ، وداعبها بنظرةٍ أخيرةٍ، ثم تلاشى صوته كحلمٍ يذوب مع شروقٍ باهِت المَطلع .

شهقتُ . انفتح جفني على ريحٍ قارسةٍ

رفعتُ رأسي …

كانت يدايَ مطويّتين حول صورةٍ عتيقة، ورُكبتيَّ تغوصان في ترابٍ رطبٍ بارد.

لم أجد نَفسي سوى شاهدةٍ من حجرٍ مائل،

عليها اسمه… كان اللقاء كلّه حلمًا، وصوته مدفونًا تحت قدمي الهَزيلة! 

أغمضت أجفاني ثانيةً، وحين فتحتها مجددًا…

كان الشتاء يهيل الثلج على قبره،

وعلى قلبي معًا .