رحيلكَ المائت بقلم الشاعرة المبدعة زينة رافد

أكتبُ لكِ من رحيلي الذي دام سنينَ طِوال،

من قاعٍ لا يصل إليه النهار،

من زمنٍ أعمى، يلعقُ أطرافَ صمتي، ويُعيدُ لي وجعَكِ كلَّ ليلةٍ بصوتِ المطر.

هذه رسالتي الأخيرة — أو لعلَّها الأولى التي تصلُ إلى صدركِ دون ساعي البريد.

كلُّ يومٍ أجيءُ، أُصغي إلى صدى ضحكتكِ المائتة تحت أنظار الليل،

فأطاردُ الغيومَ كي لا تلمحَ طرفَ عينيكِ الغارقتين في العدم، المائتتين من الغياب.

أجلسُ أمام نافذتكِ التي تُطلُّ على المقبرة،

أُشعل سيجارتي الفرنسيّة — ذات الرائحة التي كنتِ تكرهينها —

وأرتشفُ نبيذًا قدَّمه لي راهبٌ مجنونٌ في كنيسةٍ هجرها المؤمنون.

قال لي:

"اشربْ كي تنسى."

ولكنّي ما زلتُ أراكِ حتى في قعرِ الكأس.

كلُّ شيءٍ يُعيدكِ إليَّ:

المطرُ الذي يُطرقُ على السقفِ كما كان يطرقُ على كتفيكِ، فأصرخُ خائفًا من فكرةِ أنَّكِ قد تتألمين، كلُّ ظنّي أنَّكِ هنا — بين ذراعيَّ — تجثمين.

لا زلتُ أُجالسُ الخريفَ، وأُشعلُ أوراقَه، وأعدُّ فيها آلامَكِ وصرخاتِكِ الليلية.

ما عدتُ أحتمل، ربّاه، بكاؤكِ الشجيَّ قطّع أنياطَ قلبي المُرتجفة تحت دعائكِ المكنون،

فلا زلتُ أستمعُ إليه بين رجفةِ يديكِ الصغيرتين.

أذكرُ جيّدًا كيف كنتِ تركضين بين حقولِ الياسمين،

لم أكن على علمٍ بفراقٍ قد يدفنني مع أحدَ عشرَ أملًا، كان أحدُها بسترةٍ ورباطٍ أرتديه، وبيديكِ التي أخرجُ بها أمام المدعوّين في زفافنا.

أرتوي أحرفَكِ لو مرَّ اسمُكِ بين الهياكل المرميّة قرب قدميَّ التي خالطها الدماء.

فها أنا تائهٌ في أزقّةِ الظلمات، أبحثُ عن طريقٍ يُخرجني من رأسي هذه الليلة،

فقط لئلّا أكون الهاربَ اللعين، كما في نظركِ إنّي بقربِ الغابة أتلذّذُ الغياب.

كلُّ رسائلي بيدِ ذلك الساعي المجنون الذي هربَ من ظلِّ الأشجار،

خائفًا أن يرى بعينيَّ ذلك الغضب،

فأتحوّلُ كغرابٍ أتشرّبُ الحزنَ بقرعةِ الأجراس،

فأهرولُ متبعثرًا لندوةِ الكنائس في ذلك الليل،

حينما يصلبني الغياب.

ما زلتُ أُجالسُ خيالكِ تحت خطوطِ الليل،

لأحتسي بُنَّ مقلتيكِ،

حينما كان السكرُ حديثَكِ الذي عالقٌ بقلبي،

وأمّا عن أكوابِ القهوة،

فكنتُ في طول هذهِ المُدّة أحتسي بالكوبِ الذي كان هديةً منكِ حينما فاجأتِني ذاتَ لقاء.

ومن ذلك الوقت صرتُ أُجالسُ طيفَكِ الذي كان يُراقصُ الأسى ليلًا،

وصوتُكِ الموسيقيُّ يحرق بجِراح قلبي المُتعب ، فصرتُ أتناغمُ مع آلامِ حبّكِ سرًّا وعلنيًّا.

كلُّ هذا الكمدِ أعزفُه تارةً قرب مسمعِكِ الذي بلّله الدمعُ حتى خالطه التراب.

كلُّ وجعي ذلك المنظرُ حين تحملين على شعركِ التراب،

فأصرخُ من فكرةِ أنَّكِ تتلاطمين مع عزائي،

فألهثُ وراءكِ، أواصلُ القرعَ على منزلكِ متغافلًا وجودَ عبارةٍ كُتِبَ عليها (للبيع).

بين دموعِ الغيم أواصلُ الدعاء:

ربّاه، لم أحتمل صراخَكِ الشجيَّ، فأسترسلُ الطيورَ لتبحثَ عنكِ،

أواصلُ مساءلةَ نفسي:

أقربَ البحرِ غرقتِ؟

أم أنَّكِ بين أحضانِ الموتِ تكترثين؟

فأركضُ مسرعًا بين السواحلِ والبرق، أصرخُ باسمكِ غيرَ مكترثٍ للعواصف،

فهذا الطوفانُ العاشرُ على قلبي.

ألهثُ بين الريح عنكِ، ودموعي تمطرُ من السماء،

أعاتبُ الوقتَ على مجيئكِ، فيلفتُني آخرُ مرسالٍ منكِ قربَ صخرةٍ عمياء.

فتحتُها بحبرها السائل على الأماكن، كانت آخرَ عبارةٍ كتبتِها:

"إذا كان هذا البحرُ أوسعَ من صدري، فليحتضنْ أحرفَ الدعاء،

سأجيءُ لكَ يا بحرَ التمنّي والرجاء."

بعثراتُ الدموعِ أواصلُ القراءة حتى وصلتُ لعبارة:

"ربّاه، أرهقني الاشتياق، لكنْ أرواحُنا ستلتقي عن قريبٍ، حينما ينغرسُ جسدي في قاعِ البحار."

فأشعرُ بلمسةٍ على كتفي، أدورُ إليكِ، وألقاكِ بفستانكِ الأبيضِ اللماعِ وبابتسامتكِ المشرقة،

فأرتمي بجسدي لأبكي منكِ عليكِ،

فأسقطُ أرضًا في غرفتي المظلمة، وذلك الزجاجُ المكسورُ قرب الأريكة،

فأمسكُه لأتبيّنَ صورةً جمعتنا قربَ ذلك البحر،

قبل أن يُغلقوا عليَّ في غرفةِ المجانين.