اغتراب بقلم الشاعرة المبدعة زينة رافد
إليكَ...
بلغتُ من الاغتراب منزلةً تجعل من الغصّة حُضنًا لعُنقي الشاحب ، ومَلمحي الذي يعبرني غريبًا ،وأيّامي الّتي تُسلِّم عليّ بملامحٍ تستأذن الذاكرة قبل أن تستقرّ في وجهي. أجمعُ ما يتساقط من العمر في أطرافِ معطفٍ أرهقته الفصول الهزيلة ،وأمضي بجسدٍ أسير عائدٍ من الشوق ، أسترجي الوقتَ ليُعيد ترتيبَ خُطاي على خرائطٍ فقدت جهاتها منذ مرّت يداكَ بها . كنتَ تمرُّ في حياتي مرورَ المواسم على الحقول؛ تتركُ في الأشياء أثرًا خفيًّا فتغدو المقاعدُ أكثرَ صمتًا والستائرُ أكثرَ إصغاءً والأواني تحتفظُ بحرارة أناملك الرقيقة طويلًا حتى يخالُ البيتُ أنّكَ مازلتَ تتجوّل بين أركانه الموحشة .
ثمّ استوطن الغيابَ تفاصيلكَ. فصار معطفُكَ يُربّي رائحةَ الشتاءات المؤجَّلة، والكتبُ تُغلق صفحاتها على هيئةِ أناملك، وأخذ الغبارُ يُحسن هيئةَ حضوركَ أكثرَ ممّا أحسنها العمر فصرتُ أفتّش عنكَ في الأشياء، فأجدُ الأشياء تبحثُ عن نفسها فيكَ .
أرتّقُ ما تبقّى من وجهي بخيوطِ السُّهد وبتمادٍ للفراغ أعلّقُ أيّامي على صبوةِ الفجر فيهرول إليّ الليلُ يفرزها واحدةً واحدة ويتركُ بقيّتها تتبعثر في الممرّات، تلتقطها الرّيح منه وتوزّعها على الأشجار وتستفيقُ الياسمينُ فتذرُّ في الأرجاءِ عبقَها المُترنِّم، فتشرعُ الجهاتُ في استدراجي إلى أثرٍ يُجيدُ التواري.
أسألُ نفسي عن هيئتك ، أكانت الذاكرةُ أكثرَ مهارةً من الزمن؟ أم أنّ الفقدَ يُعيد نحتَ الوجوه كلّما مرّت عليها مواسمُ الانتظار؟
توارثتِ الأشياءُ غيابكَ على مهل ،فالمزهريةُ ما تزالُ تُقيمُ للزهور حدادًا مُتهجّدًا، وتورِّثُ بتلاتِها ذبولًا عتيقًا، وتُبقي أعناقَها مائلةً إلى الجهة التي اعتادت حضوركَ. أمّا الرائحةُ فقد آثرت الإقامةَ في الأقمشة، تُرتّل عبقَها المُضمَّخ كلّما مرّت يدٌ على ياقةِ معطف فتضطربُ الغرفةُ اضطرابَ صلاةٍ باغتتْها الدموع المُنحنية بالتمنّي على الخدّين . والرسائلُ أيضًا اكتسبت طباعَ الكائنات؛ تنكمشُ في الأدراج وتتلمّم بين طيّاتها، وتزدردُ حوافَّها بحركةٍ وئيدة ، فأيقنتُ أن الأوراق أشبهَ بمخطوطاتٍ أرهقها الانتظار ، كلُّ سطرٍ يحملُ طرفًا من فجرٍ مُوشّى بالوهم ، وكلُّ فاصلةٍ تُؤخّر انطفاءَ الكلام، وكلُّ بياضٍ بين الكلمات يقتاتُ من صبرٍ استحال مهنةً للعمر .
وبفؤادٍ أرهقهُ التمنّي، متى ستصل رسائلي إليكَ، وتبلغُكَ تمنّياتي الأزليّة؟ أخذتُ أعدُّ الرسائل ، رُبّما هذهِ المائة ،أو الألف ... لستُ أدري.
وبهذهِ الخيبة أسترسلُ في كلامي، خيبةٌ كخيبة عجوزٍ مخبول احترق كُرسيّه الخشبيّ على مزرعته الّتي دُفن فيها أولاده العائدين من الحَرب ، لم يُعلّمني فأسه أن الخشب يحنُّ لقاتلهِ ،علّمني أن الاغترابُ يبدأ حين تُبارح الثمرة غُصنها، حين تستيقظُ الروحُ في جسدٍ اعتادها ثمّ تعجزُ عن التعرّف إلى نبضها. ويبدأ حين تحملُ اليدُ أثرَ المصافحة وتفقدُ اليدَ الأخرى .
ولهذا... أكتبُ إليكَ
أضعُ بين يديكَ عمرًا أمضى مواسمَه يتبختر بحضوركَ، ورسائلَ شاخت في الأدراج، وحقولًا ما تزالُ تُورق كلّما مرّت بكَ الجهات، وصوتًا أتقن الصمت حتى صار للصمت إيقاعٌ يُقيمُ في رأسكَ .
وحين أصلُ إلى آخر السطر... أجدني أقفُ في الموضع ذاته الذي ابتدأتُ منه؛ شاعرةً تحملُ اغترابَها على هيئةِ حياة وتواصلُ السّير حتّى يبتلعُ الرصيف قدميها .
الكاتبة زهراء الفتلاوي