اكرهها بقلم الكاتبة المبدعة فاطمة رياض التميمي

في مكانٍ ليس ببعيد ولا بغريب ، في مكان مألوف جداً ، مدينة اسمها ( البصرة ) وتحديداً في قضاء الزبير . تقطن هناك فتاة ذات شعر اسود باهت اللون ووجه بيضوي وملامح باردة ، هادئة عند النظر اليها ومن المرة الاولىٰ تدرك انها ذكية وفطنة . اسم هذه الفتاة هو ( بيداء ).

يرن المنبه 

بيداء بإنزعاج وخمول : لماذا اتىٰ الصباح مجدداً ، اريد ان اُكمل نومي بسلام ليس لدي طاقة للذهاب الى الجامعة يومياً

نهضت بيداء من فراشها مثل كل يوم وتناولت الفطور وذهبت الى جامعتها والتي تقع على بُعد مسافة تستغرق ساعة للوصول اليها .

وصلت بيداء ودخلت الجامعة وبدأت محاضرتها في الساعة الثامنة والنصف

وكالعادة بدأت تعليقات المتنمرين تنهال عليها من كل جانب وتقع على مسامعها وهي تجرح اُذنيها مثل السكين الحاد حين يقّطع شيئاً ما .

بيداء بصوت حاد وثابت متوازن مع ملامح وجهها الدالة على الحكمة والذكاء عكس داخلها : اعتقد انكم فارغون وليس لديكم شيء مفيد لفعله غير طرح سُمكم للخارج وتغيير جلدكم كل فترة .

مُصطفىٰ بإستهزاء :لقد اضحكتيني كثيراً ، انظروا يارفاق ، انظروا من يتحدث ( الافعىٰ السامة التي تركها اباها من الصغر ) اوه ، آسف نسيت ان والديكِ مُطلقين .

نعم هذه الكلمات كانت مثل السيف الذي يُنتزع من الفارس بعد طعنه 

ظنوا انها ستنزعج وتبكي وستضعف ولكن فعلت العكس لم تهتم لهم واكملت محاضرتها .

بيداء في حمام الجامعة واقفة امام المرايا تتحدث مع نفسها : هذا صحيح ، كلامهم جميعاً صحيح . نعم انا لستُ جميلة انا قبيحة ، نعم لقد تركني والدي من الصغر

وامي تكرهني لا احد يحبني ولن اقدر على تكوين الصداقات سأبقى بمفردي الى الأبد ولن ابتسم لأحد ابداً ، الحياة ضدي وستكون هكذا على الدوام ، انا اكره نفسي ، اكرهها كثيرااااا .

بدأ الشيطان يوسوس لبيداء .

القَت بيداء بهاتفها علىٰ المرايا وكسرتها واخذت قطعة من الزجاج وقرّبتّها من معصمها لكي تقتل نفسها.

بيداء : لقد نفذ صبري ، انا لا استحق ان اُعامل هكذا ، لا اُريد تحمل كل هذه المشاكل ، لقد تعبت جدا .

في هذه الاثناء كانت مُترددة ولكن فجأة تذكرت كلام قاله لها احدهم : ان الحياة لا تستحق ان تذرف حتىٰ دمعة واحدة من اجلها ، لا تُنهي حياتكِ من اجل دُنيا فانية لأنكِ بفعلتكِ هذه سترمين بنفسكِ الى الجحيم الابدي الذي لايوجد خلاص منه بعد ذلك . هذه النفس التي خلقها الله انها امانةٌ عندنا لذلك يجب حفظ الأمانة الى ان يأتي صاحبها ليأخذها هو بأرادته . فإن قَتل النفس من كبائر الذنوب ، لقولِهِ تعالىٰ :(ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيماً ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه نارًا وكان ذلك على الله يسيرًا).

تراجعت بيداء عن هذه الفكرة السوداوية ورمت قطعة الزجاج تلقائياً من يدها ، اجهشت بالبكاء ، بدأت دموعها تنزل على خدّيها وبعدها بمدة توقفت عن البكاء ومسحت دموعها وقالت لنفسها : من الآن وصاعداً سوف اكون قوية من الخارج والداخل ايضاً ، لن اهتم بكلام اولئك الناس الذين لا يريدون لي الخير ولن اصبح مثلهم ابداً ، سأُنصت الىٰ احبائي واقربائي الأخيار سأكون سعيدة ولن اتأثر بالأشخاص السلبيين واُخالط الأيجابيين وارتقي بنفسي الى أعالي القمم ، لأنني استحق الأفضل دائماً . خرجت بيداء من الحمام وهي تحمل طاقة وامل لا يستطيع احد كسرها ، خرجت وهي مُدركة ومُتيقنة بإن الله عز وجل يخبئ لها مُستقبل اجمل . وبالفعل بعد مرور سنتين تخرّجت بيداء وبعد مدة يسيرة اصبحت اُستاذة جامعية تُلقي محاضراتها للطلاب في جامعتها .

_ من كتاب (خفايا كاتبة)