أداء مسرحي محترق بقلم الكاتبة المبدعة زهراء زهير

أداء مسرحي محترق بقلم الكاتبة المبدعة زهراء زهير

الجامعة: مسرح فوضوي ومحاولة لإظهار وإثبات هوية مشوّهة

أرى أن حذائي الجديد يهتزّ. لقد اشتريته قبل بضعة أيام من أجل السنة الدراسية الجديدة، وما زال يهتزّ. أعتقد أن ذلك بسبب التوتر؛ فهذا عادي، أو ما اعتدنا عليه: توتر أول يوم، كأنه أول يوم مدرسة لطالبة في السادسة من عمرها.

ها قد عدنا من جديد، لكن ليس بشيء جديد، نفس الوجوه. لقد عدنا إلى مسرح الفوضى، مسرح الوجود والعدم، مسرح الدمى البشرية. قاعة كبيرة، عدد من البشر، طبقات وألوان وشخصيات مختلفة، لكن لا بد من وجود أفكار (متخلّفة) مثل أصحابها.

الآن، لنأخذ الجانب العلمي. يقول إريك إريكسون (لم أسمع بأسمه قط) في تشكيل الهوية والاستقلال، إن عمر الجامعة يقع ضمن مرحلة «البحث عن الهوية».

عن أي هوية تتحدثون؟

الهوية الجامعية، بطاقة التعريف؟

أم الهوية الحقيقية؟

أم الهوية المشوّهة التي خُلقت لكل شخص وكل فرد؟

وأين تتمّ عملية البحث عن الهوية؟ في أعين أنفسنا أم في عيون الآخرين؟

جدتي اعتادت أن تخبرني أنني تغيّرت كثيرًا عند دخولي للجامعة. لا أعلم يا حاجة، ما الذي تغيّر؟!

أرجل تهتزّ، وآخرون يتهامسون بصوت خافت، ربما نميمة جديدة. جميلة الجميلات لا تبالي إلا بثبات أحمر الشفاه ورسمة الآيلاينر. فيلسوف زمانه يحاول أن يخترع سؤالًا تعجيزيًّا لشدّ الانتباه.

فهذا، يا عزيزي، هو الوسط الجامعي.

في محاولة بائسة طوال فترة العطلة الصيفية، وبكلّ قواي العقلية، حاولت أن أرسم شخصية جديدة لهذه السنة؛ لذلك أبحث عن هوية مشوّهة لأرتديها هذه السنة.

فمثلما أبحث عن ثياب للتسوّق أونلاين، أبحث عن شخصية جاهزة للفصال: ماذا سوف أكون هذه السنة؟ هل سوف ألعب دور الجريئة مرة أخرى؟ هل سوف أكون انطوائية هذه المرة؟ على من سوف أزيد الجرعة؟ أين سوف أضع الحدود؟

ربما ترونها كمخطط، أو محاولة لإعادة بناء الحدود الشخصية، لكن اختلط عليّ الأمر؛ كوني كاتبة، أحب أن أكتب الشخصيات، لكن لم أعتقد يومًا أنني أحب أن أرتديها.

الآن، تخيّل، عزيزي القارئ، أننا في موقع لاختيار الشخصيات الجامعية، مثل القوالب الجاهزة والأنماط التقليدية كما في الأفلام. لنبدأ بتشريح الأبطال الرئيسيين.

الشخصية الأولى: الفتى السيّئ.

تكلفة هذه الشخصية تبلغ تقريبًا: سترة جلد سوداء، واحدة فقط، صيفًا وشتاءً؛ علبة سجائر من النوع الرخيص، وقاحة مستمرة، ثقة زائفة، حذاء أسود، وعطر قوي ونفّاذ.

الشخصية الثانية: الفتاة الجميلة.

تكلفة هذه الشخصية: ملمّع أقنعة، كيفية عمل «توتوريال» تحت الضغط، إدارة في حلّ الأزمات، كرَسمة الآيلاينر، اختصاص هندسي في هندسة الوجه، فكّ لا يتعب، مجاملات ذهابًا وإيابًا، وحتى حقّ المجاملة مدفوع مسبقًا، والقبلات العشوائية في الهواء.

الآن نبدأ بالشخصيات الثانوية.

الشخصية الأولى: فيلسوف زمانه.

تكلفة هذه الشخصية: طاقة لا نهائية في الكلام، محاولة لإقناع الطرف الآخر ليس بأن كلامه صحيح، بل بأنه هو الأصح، خبرة في مشاهدة مقاطع الفيديوهات القصيرة لأقوال نيتشه، قراءة كتب دوستويفسكي ومكيافيلي قراءةً سطحية، دقّ طبول الحرب لمجرّد الرد، تحويل ساحة النقاش إلى ساحة حرب، تفعيل وضعية الإنذار، يد مرفوعة جاهزة للرد على أي سؤال، وشعار الاختلاف؛ يعني: «خالف تُعرَف».

الشخصية الثانية: الفتاة المثالية.

تكلفة هذه الشخصية: جلد للذات، ولا سيّما ليلًا، دفتر مرتّب، على الأقل ستة أقلام، الامتناع عن الحياة، لطافة محدودة ومعلومات محددة، عاشقة للكمال، وقتها كالسيف، وإن لم تأتِ في وقتك، فهي من سوف تقطعك، فوضوية بانتظام، ونظامية بفوضى عارمة.

الآن معكم الفتاة التي تحاول أن تكون مختلفة، ربما لأنها فعلًا مختلفة. قد كلّفتني هذه الشخصية حوالي مليون دينار عراقي.

(Sorry, mom)

لكن بعيدًا عن السخرية، لستُ عاديّة...

أزمتي الوجوديّة ليست بحثي عن هويّتي، بل هي خوفي أن أكون عاديّة.

الآن أهرب من الزخرفة التقليديّة، وأهرب من البساطة العصريّة، وأريد مقالةً نموذجيّة.

يا للسخرية؟!

ربّما خوفي من أن أكون بسيطة أكبر من خوفي أن أكون مصطنعة!!

البساطة = الثقة.

أن أرتدي لباس البساطة يعني أنّي شبه عارية.

أعتقد أنني أشمّ رائحة غريبة، رائحة الاحتراق.

الاحتراق نتيجة إهدار كمّ من الطاقة والتفكير عمّا يقوله الناس عني.

الآن نبدأ بالترتيب: شخصية الفتى السيّئ وتصرفاته. ربما أنه يختبئ خلف القسوة كي لا يتأذّى أكثر، وتعطيه دورًا معيّنًا، أو ربما هو لا يمتلك إلا حقًّا سترةً واحدة.

ربما الفتاة الجميلة تختبئ خلف جمالها؛ فهذا مركز تميّزها، وتحاول لفت الانتباه، أو ملجأ للاحتواء. هي لا تحتاج خافي عيوب، بل تحتاج ثقةً أكثر.

ربما فيلسوف زمانه يحاول أن يثبت معرفته، معلوماته، واختلافه للناس أجمع. لعله يريد رفقةً لا أكثر، ربما لم يستمع إليه أحد من قبل!

ربما الفتاة المثالية تختبئ خلف المثالية الآمنة والتنظيم، بحثًا عن التقدير أو الثناء، أو إخبارها بأنها كافية.

الشخصيات الأربعة التي كتبتها تبحث عمّا أبحث أنا بالضبط.

بمعنى هاشتاغ: «انظروا إليّ»؟

#Look_at_me

لا أريد أن أبدو إنكليزية المنشأ من خلال مصطلحاتي، لكن من منّا لا يريد الانتباه، أو attention؟ من منّا لا يريد التميّز بشيء معيّن؟

الضغط الجامعي يأتي ليرحّب بالسُّذَّج أمثالي؛ ضغط غير إجباري، بل اختياري، يحدث بشكل غير واعٍ؛ تحاول أن تتبنّى لك هوية، أو character معيّن، Persona معيّنة، تتشبث بها كي تحمي نفسك.

أنا الآن في محاولة لإحراق نفسي، من أجل ماذا؟ خلق هوية مزيّنة ومزيّفة.

أن أكون تلك الكاتبة المراقبة والناقدة الساخرة، الفتاة المستفزّة التي تختبئ خلف كل هذا.

فلكلّ منّا قناعه الخاص ودوره في هذا المسرح؛ مسرح كوميدي وتراجيدي في آنٍ واحد، جمهور مراقب، تصفيق عالٍ، إضاءة جيدة، وهويات مشوّهة. ممنوع الارتجال، سيناريو فارغ، والمخرج لا يهتم إلا بقصص رحلاته إلى دول الخارج، كأنه ابن بطوطة، وليس مخرج هذه المسرحية.

لن أتكلم عن المنتج قط؛ فقط دفعت حقّ دوري لمدة سنة كاملة لشركة الإنتاج.

ومن أكمل القراءة إلى هنا بحثًا عن حل، لا يوجد حل يا رجل. أنا نفسي تائهة في هذا المسرح. فقط أتمنى أن لا يتّسخ حذائي الجديد هذه السنة.

لن أراكم أبدًا.

إلى اللقاء المستحيل.

زهراء زُهير