خريج مجموعة طبية والوظيفة مجهولة بقلم الكاتبة المبدعة نور الغزي

خريج مجموعة طبية والوظيفة مجهولة بقلم الكاتبة المبدعة نور  الغزي
خريج مجموعة طبية والوظيفة مجهولة بقلم الكاتبة المبدعة نور  الغزي

الشهادة: خريج مجموعة طبية.. والوظيفة: مجهولة!

 

من المؤسف أن تضطر الشعوب في كثير من البلدان إلى النضال من أجل حقوق كان يفترض أن تكون مكفولة أصلاً.

 

في بلدٍ كان فيه المعطف الأبيض مرادفاً للأمان الوظيفي المستقبلي الوحيد والرفعة الاجتماعية، نقف اليوم أمام مشهدٍ سريالي بامتياز. مشهدٍ تجلس فيه النخبة العلمية للبلاد، من أطباء وأطباء أسنان وصيادلة، على قارعة الطريق، يرفعون لافتات يطالبون بها الجهات المعنية بتحمّل مسؤوليتها تجاه هذه الشريحة التي بذلت ما بوسعها من جهد ومال، وقدّمت سنوات من عمرها قرباناً لأجل هذه التخصصات التي يعرف الجميع أنها رهنٌ على راحة الإنسان ووقته الثمين في هذه الحياة القصيرة، فإذا بهم يطحنون الانتظار بدل طحن أمراض الشعب وآلامه الكثيرة، بعد أن تحولت شهاداتهم إلى مجرد وثائق معلقة على الرفوف، تترقب مصيراً يلفه الغموض تحت بند التعيين حسب الحاجة.

 

القصة لم تكن مجرد تأخر في جداول التعيين المركزي، بل تحولت إلى قضية رأي عام ومأساة جيل كامل. انطلقت شرارتها الكبرى مع دفعة 23، تلك الدفعة التي وجدت نفسها فجأة في مواجهة جدار الصمت الحكومي والتسويف والمماطلة، لتتلقى صدمة التخرج مرتين: مرة بمرور ثلاث سنوات ودخولهم السنة الرابعة وضياع سنوات التدرج منهم، ومرة بمرارة البطالة الإجبارية التي دفعت الكثير منهم إلى القطاع الخاص، الذي بدوره زاد الطين بلة وحطم آمالهم. فلا يخفى على الجميع جشع الكثير من الأطباء والمراكز الطبية الخاصة التي تستعبد الخريج بشتى الوسائل، وتقلل من قيمته بتكليفه بأعمال لا تليق بشهادته وليست من اختصاصه، فضلاً عن الرواتب المضحكة التي تدفع له مقابل شهر كامل من العمل، وبلا عطل، ولوقت يمتد لأكثر من عشر ساعات، وحسب " لود العيادة وعدد المراجعين " كما قال لي طبيب الأسنان في إحدى مقابلات العمل.

 

لم يقف هذا الجيل الطبي مكتوف الأيدي وهو يرى أحلامه تُسلب خلف مكاتب البيروقراطية، بل تحولت الساحات أمام وزارة الصحة  ووزارة المالية وحديقة الشواف في بغداد إلى مسارح للمطالبة بالحقوق المشروعة، عبر سلسلة من التظاهرات والاعتصامات، ولا سيما المتبقين من دفعة ٢٣، والبالغ عددهم ٢١ ألف خريج.

 

هذه الدفعة التي تخطت حاجز الأربعين تظاهرة، بل وأكثر، واقترح عليهم أن يقدموا طلباً إلى موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكثر فئة خرجت في تظاهرات ولم تنل شيئاً من مطالبها.

 

ولأن شر البلية ما يضحك، ورغم سلمية تظاهراتنا ومشروعية مطالبنا، لم تخلُ هذه الاحتجاجات من غصات وأحداث مؤلمة؛ حيث سجلت التنسيقيات تعرض الخريجين للمنع والقمع في عدة وقفات، وشهدت ساحات التظاهر في حديقة الشواف حالات إغماء وإصابات بين صفوف أصحاب المعاطف الطبية البيضاء، وتم اعتقال عدد منهم، الذين لم يكن ذنبهم سوى المطالبة بتطبيق قانون التعيين المركزي رقم (6) لسنة 2000.

 

طيلة السنوات الماضية، واجه الخريجون سياسة المسكنات والوعود المؤجلة، تارة بحجة غياب التخصيصات المالية في الموازنة، وتارة أخرى عبر التعيين حسب الحاجة، تاركين الآلاف خلف خطوط التعيين بلا غطاء مالي أو إداري رسمي.

 

إن جلوس خريج المجموعة الطبية في بيته لسنوات دون ممارسة مهنته لا يمثل فقط هدراً للمورد البشري الأثمن في الدولة، بل يصنع شرخاً نفسياً وصراعاً داخلياً معقداً. الطبيب الذي تخرج ليدير الحالات السريرية ويخفف آلام الناس، يجد نفسه مجبراً على البحث عن منافذ بديلة، البعض لجأ للعمل في عيادات خاصة، والبعض انخرط في مهام إدارية كالمحاسبة وتنظيم السجلات لمجرد البقاء في المحيط الطبي، وسط بيئة عمل غير مستقرة وبلا تراخيص رسمية في أحيان كثيرة، مما يضع الخريج في صراع مستمر بين ضميره المهني الحي وبين قسوة الواقع وفرص الرزق المتاحة.

 

بينما تنشغل الجهات الحكومية المعنية بهذا الملف بالنقاشات الدبلوماسية والتصريحات الإعلامية، يظل قطار الخريجين من دفعة 23 إلى يومنا هذا يواصل مسيره البطيء، وتتراكم الدفعات تلو الدفعات، لتتسع الفجوة وتكبر علامة الاستفهام: إلى متى تظل الدولة تتفرج على جيشها الأبيض وهو يعتصم على الأرصفة بدل أن يقود ثورة الإعمار الصحي في مستشفياتنا؟

 

وكل دولة تحاول النهوض بواقعها وبناء مستقبلها المشرق، تركز اهتمامها نحو الشباب، وتستثمر طاقاتهم الجبارة في البناء والتطوير، إلا في وطني يتم سحقهم وهد أحلامهم، لتخور قواهم ويفقدوا رغبتهم في الحياة و تعمير الأرض.

 

لكنهم يعلمون(من كانوا سبباً في كل هذا) الآن جيداً بأننا نملك من الإصرار ما يكفي لسحق هذه العقبات. سيبقى صوتنا عالياً، وستبقى المعاطف البيضاء رمزاً للسيادة والرفعة والإنسانية. هل يعرفون الإنسانية؟

 

- نور الغزي