أبوابٌ من شَغَب بقلم الكاتبة المبدعة زهراء زهير

أبوابٌ من شَغَب بقلم الكاتبة المبدعة زهراء زهير

مذكّراتي العزيزة

الخامس من ديسمبر.

عيد ميلادي السابع والعشرون.

سنة جديدة من معاناتي الكلاسيكية.

أكتب لصديقي اللدود رسالة الوداع...

(إلى صديقي اللدود)

عاري الذي أثقل كاهلي، أستميحك عذراً، لقد آن الأوان.

كنتَ سجّاني لثمان سنين مضت،

أحببتك وكرهتك في نفس الوقت،

خذلتني في معظم الأوقات،

لكنّك علمتني معنى الحياة.

أرجو منك مغادرتي الآن.

اكتشفتُ الآن أن هذا العار ليس ملكي، بل نُسب إليّ شخصياً.

فنحن شخصان مختلفان،

لا أريد تحمّل مسؤولية أخطاء لم أقترفها.

لذلك، لن أغسل عاري كما اعتاد أن يفعله أهل بلادي،

بل سأطلق سراحَه إلى الأبد.

أعتذر منك،

لقد اتهمتُك بالخيانة،

لكن القصة وما فيها هو الخذلان.

لقد شوّهتَ صورتك لديّ،

لا أكثر ولا أقلّ.

ما زلت أفكر:

لو لم يحدث ما حدث،

لما كنت هنا أكتب بهذه البراعة.

كثرة كتابتي عنك أوهمتني بحبّك،

أنت فقط مادة دسمة للإبداع.

كنتُ أغرقُ، كنتَ لي حبلَ الممات،

وكنتُ أغرقُ في ثنايا التفكير،

لا أريد إصلاحَ رجل، إنما أريد أن أحبَّه.

أحتاجُ منه أن يرغب بي،

لكنني لا أريده أن يحتاجني.

لن أطارِد أخطاءك بعد الآن،

و لن أتحدث عنك بسوء بعد الآن،

سوف أبحث في القاموس والمعجم عن كلماتٍ أكثر تهذيباً لوصفك، أعدك.

هذه ليست معاهدةَ السلام،

بل هدنةٌ اتخذتُها لي بعد انتهاء معركتي الدامية.

في كل مرة أتنهد،

يخرج قلبي من فمي.

أرجوك، غادر جسدي،

أرجوك، غادر قلمي...

ما زلت أكتب الرسالة حتى سمعتُ صوت

صَريرِ البوابة الخارجية،

إذ ها قد جاء جلادي.

لا أدري إن كانت هذه اللّيلة ستكون مليئةً بالدراما أم بالجنون، أم بمزيجٍ من الاثنين.

أريد حقًّا أن أخرج لأشتري بعض زهور الكاردينيا وكعكةً صغيرةً، كما اعتدتُ أن أفعل سابقًا.

هل سوف يسمح لي بذلك؟

يا إلهي… كم أفتقد ذاتي القديمة، نسختي القديمة، حياتي القديمة!

يا للسخرية! شخصٌ كان يلوّن ويرسم، أصبحت حياته الآن سوداء تمامًا.

إذْ ارتدي صباحًا هدوءَ السيّدات،

أنسى صوتي في البيت،

لكنَّ إلا نسيانَ المستحضراتِ التجميليّة.

أعزفُ على حبل الغسيل،

حتى نسيتُ الكمان.

رأيتُ مقبض الباب يتحرّك،

وهذا يعني أنه قد أتى.

لقد تأخّر، ربما كان يعبث في الحديقة.

فتح الباب بمفتاحه ودخل.

كان عائدًا من المتجر، يحمل علبةَ سجائر.

لقد وعدني بأنه سيتوقّف… لقد أقسم!

لكنني اعتدتُ كذبه.

يحمل وردةً حمراء قطفها من الحديقة.

لنَرَ ما دوره الليلة:

بركانٌ غاضب، أم حملٌ وديع؟

كان مستعدًّا تمامًا لحفلة عيد الميلاد، يرتدي ملابس أنيقة،

تفوح منه رائحةُ عطرٍ قويٍّ ممزوجةٌ برائحة السجائر.

كنتُ مشغولةً بالخياطة، أحاول تجاهله قدر الإمكان،

لأنني متأكدةٌ من أن شيئًا ما سيحدث.

اقترب نحوي خطوةً بعد خطوة، يحمل الوردة بيده،

راقبتُ خطواته تتقدّم نحوي.

لكنه لم يفعل شيئًا… فقط ظلّ ينظر إليّ.

شعرتُ بالتوتر، ومن شدّة حماقتي وخزتِ الإبرةُ إصبعي،

إذ لوِّثَ فستاني الأبيض بالدم.

شعرتُ بيديه تمسك ذراعي كأنه يتحقّق من ممتلكاته.

لاحظ أنني لم أعد أرتدي خاتمي.

حاولتُ سحب يدي، لكن كان قد فات الأوان؛

لقد لاحظ بالفعل اختفاء الخاتم.

فقد أعصابه، كما توقّعتُ تمامًا، وكما هو المعتاد.

أمسكَ الفستانَ ومزّقه بغضبٍ عارم.

عندما يتعلّق الأمر بالخاتم أو بفكرة “الملكيّة”، كان دائمًا عنيدًا.

بدأ يهاجمني، يضربني أكثر فأكثر.

كانت يداه تضغطان على ذراعيّ كأنهما ستخترقان العظم.

ظلّ يردّد:

> "أنتِ لي… لي وحدي،

افهميني… مثلما الطفلُ أنانيٌّ بأمّه،

فأنا بكِ أنانيّ."

بعد عدّة دقائق…

توقّف، ليتأمّل النتيجة كأنه فخورٌ بما فعله بي.

أمسكني من يدي وسحبني نحو المرآة.

يريدني أن أرى نفسي كما يراها هو:

طفلةً صغيرةً تبحث عن أبيها.

كان يهمس في أذني:

> "أنتِ ملكي، أنتِ لي، أنتِ حلوتي، أنتِ دميتي."

جلدي أحمر

من آثار الحزام،

لا من آثار الأحضان.

كفاكهةٍ لم تنضج بعد،

قَطَفَني قبل أواني،

ثم رماني…

كمن يقتني بُلبُلًا لنفسه،

يضرب من يحبّ،

فهذا — كما يزعم — فنٌّ تعبيريّ.

كان يضرب بالفرشاة ألوانًا،

ويضرب مَن يحبّهم… بألوانٍ أيضًا.

ربما حبسه أحدهم يومًا، فحبس البُلبُل، وحبسني.

أيكون السجّانُ مسجونًا؟

وحين هرب من زنزانته… قام بسجني.

يصعب عليّ أن أنظر في المرآة،

كطائرٍ جريحٍ بين يدي جلاده.

بدأت دموعي تنهمر على خدّيّ،

تحرقني كما لو كانت جمرًا.

لم أعد أتحمّل هذا الألم.

سأفتح الباب.

لم أعد ذاك الشخص — لا بعده ولا قبله.

لقد غيّرني.

لقد اندثر كياني،

حتى حبّه لم يعد ملكي.

كان قد تركني، وعاد إلى كرسيه،

يدخّن سيجارةً تلو الأخرى ليهدأ.

يتنفّس الدخان ليُطفئ غضبه،

كمَن تشبّعت رئتاه بالدخان،

ورغم ذلك، بقي ظمآنًا.

تقدّم ليُطفئ غضبه في كفّي يدي كعقابٍ،

يعني أن يختمَ ملكيّته — إن كانت بالخاتم،

أو كانت بالحروق.

بدموعٍ تنهمر، خاطبته:

"وُشومُ سجائرِك قد زانتِ اليدَ،

إذ وُزِّعَتْ بالنصيبِ…

هنيئًا لك إذًا عذابُ الضمير."

ضحك قائلًا:

"هذا من دواعي سروري سيّدتي… لكن يا جميلةَ الجميلات،

احذري من شروري."

سألتُ نفسي:

لماذا؟

هل يستحقّني؟

هل أستحقّ هذه الحياة؟

وقف فجأةً كأنه عاد إلى الحياة.

تراجعتُ إلى الوراء زحفًا، مرتعبة،

يعانقني، ويعتذر عشرات المرّات،

يُردّد "آسف" بهذيان،

ويقول إنه يعشقني بجنون.

"لا تخافي مني… هذا أنا زوجُك، حبيبُك،

ابنكِ الصغير… لا تخافي مني… تعالي."

لستَ زوجي ولا حبيبي، بل أنتَ:

"وَحشٌ يختبئ في ظلّ رجلٍ وسيم،

هذا ما أنت عليه،

في خُبثِك كريم،

وفي الأذى والشرّ… معلّمٌ فهيم."

عاشقٌ باكٍ…

تجثو ركبتاه على الأرض،

يبكي بحرقةٍ كما يبكي الطفلُ المُدلّل.

"تعالي… وارتَمي بأحضاني، تعالي عندي…"

"لَا أوجّهُ الأوامرَ حاشا،

لكنّي فقط أنصحُ،

كي لا تلومي نفسكِ

لاحقًا لِفِعلٍ أخرق."

أردفتُ بدموعٍ تجمّعت في أحضان المقلتين:

**"لَنْ أكونَ لِقِصّةِ عشقي شاهدَ زور،

لكنْ لن أبيع الروحَ للعشقِ بَخسًا،

رجلٌ أُمّيٌّ يخطُّ قدري،

عاشقٌ أحمقُ يناديني،

يا حسرتي عليكَ… ويا ويلي

على حطبٍ لا يحترقُ ليدفيني."**

اكمل مسرحيته المأساوية المبتذلة

بكل إتقان:

"شخصيتهُ... أسلوبُ الضحيةِ،

حتى حين تُوافيهِ المنيّةُ،

يخونُ نفسَه، ثم يخونُ القلوبَ."

يا لِفطرتكَ السويةِ،

ويا لأخلاقكَ السخيةِ!

ربما اعتاد أن يكون ذلك الطفل:

عندما يغضبُ، يبكي،

يتحوّل إلى وحشٍ مدمرٍ،

يدمر كلَّ شيء،

وحين يحزن... يُغرق الجميعَ معه.

لا منطقة وسطى بين حالاته.

الطفل الذي اعتاد

ألا يشارك الموزة مع رفاقه،

هل تظنون أنه بأمكانه أن يحبّ حقاً؟

إزاحَ شعري عن وجهي مبستمٍ

"ما تريدين أن أفعل كي تسامحين حبيبك الأحمق؟"

"مارس رياضتك المفضلة: اهرُب.

اهرُب، واغرُب،

لم تكن شمسي يوماً،

ولن تكون القمر... فأغرُب."

تظاهر — كعادته — كممثلٍ بارع.

كلماتهُ وصوتهُ الناعمُ كأنه تحوّل،

"لقد قمتُ بإحضار هديةٍ لكِ يا حبيبتي."

ذهب إلى سترته مسرعاً ليخرج منها صندوقاً

لابد أنها مجوهرات اعتاد أن يطوق الناس بقضبته أو بماله، لا فرق .

أهداني أساورَ وخاتماً

من زيف الذهب زينةً.

قال: أنا الأصل وحبي

شاهداً، والعيونُ بواكي.

لكنني هذه المرة نطقتُ:

> "لا."

كلمةٌ واحدة، حرفان فقط،

لكنها كانت بداية النهاية.

سرعان ما سمعت زئيره،

كأسدٍ ينقضّ على فريسته لا ليأكلها،

بل ليعيدها إلى قفصها — تلك كانت مهمته.

تصنيفي عندهم دميةً عاريةً،

فهذه الإجراءات السارية،

موضوع دسِم لكل داعية،

ويلعنون كل من هي "ناجية".

أراد أن يريني من هو السيّد، من هو الزعيم.

 يُريدونَ أَنْ نَكُونَ صندوقًا مغلقاً ومفتوحاً،

رأيك، ثيابك، التزمي فقط بالمسموح،

وإلا غدا كل شيء مباحاً ومفضوحاً.

غسلوا الدم، قائلين:

> "طيرٌ خارج السرب، مذبوح."

"التقطي المِلْقَطَ، قلمَ الحواجبِ،

الضحكة، المشية، طريقةَ الأكل، كلهُ مراقبٌ،

أميرةٌ في بيتكِ، وزوجُكِ المحاربُ،

كوني المجذاف، وكوني القاربَ،

انقذي الكلَّ إلا نفسكِ، هذه إحدى المطالبِ."

ربما تكون قصةً كلاسيكيةً عن الأسد والغزال،

الصياد والفريسة.

لكن آلاف القصص كهذه تحدث خلف الأبواب المغلقة.

ويبقى السؤال:

> لماذا صُنعت الأبواب في المقام الأول؟

أُخلِقت لتُفتح... أم لتُغلق إلى الأبد؟