قصائدُ مموسقة بقلم الكاتبة المبدعة د. أفياء الشاهين

 

طلب قهوته الصباحية وهو يهشّ عن ملامحهِ غمامة كآبة، حطّت رحالها على خارطة وجههِ منذ البارحة، رافقت أحلامه وخيالاته المركونة على أرفف معطلة، بانتظار بارقة أمل، تعيد أمجاد الماضي، وترسم ملامح مستقبل يومض بألوان صاخبة..

- صباح الخير..

عاجلته ابنته بتحية الصباح وهي تحمل فنجان قهوته، كانت اقرب أخواتها إلى قلبه، بادلها الابتسامة والتحية...

رشف قهوته على مهل، كالوقت الذي يرشف منه لحظاته الجميلة، يسحبها ببطء من تحت قدميهِ، كأن الحياة قد بخلت عليه بثواني السعادة.. 

فأطلت رياح الملل من قمقمها، وبادرت برسم دروب حزن وشوارع لا يستقيم الفرح فيها، بل تذره الريح كغبارٍ لا سبيل للملمته من جديد .. 

انزوى في سرادق الصمت، وعاقر كأس الخسارات، وغدت حروفه بكماء يكتبها دون صوت أو ترنيمة تغزل له نوتات أمل.. 

نهض من مقعده ماشيًا باتجاه مكتبته، التي تتراكض في أزقتها روائح الكتب المعتقة وكتب فتية للتو اندلقت من مخيلة المؤلفين ولامست أيادي ورفوف المكتبات. سحب كتابًا لاحد أصدقائه الشعراء، قلب صفحاته، كان كلما نضب بئر حروفه، استعان بالقراءة؛ ليستلّ حراب الكلمات وأسنتها، فتغدو خيالاته جنائنَ حروف، تغدق عليه، بعطاياها الثمينة... 

عاد إلى مقعدهِ حاملًا كتاب الشعر، وشرع بالقراءة، لكنه سرعان ما أسهب وبدأت الذكريات تمشط رأسه، لتستقر عند أنين ذكرى، كان قد دثرها بدثار التناسي، شرنقها بشرنقة الوقت، عله يتناسى ألمًا صعب حمله، لكنها أخرجت أجنحة الحزن ولفته بها. 

خرجت من فمه زفرة بدت كنثّ نار خرج من بين أضلعه، عاجل نفسه بسيجارة استلها من جيبه، وشرع يدخن، ليزفر ألمًا مدخنًا برائحة الفراق والشوق.. 

وآخر مشهد يجتره على مهل من غرف عقله، صورتها وهي تذوب بين أحضانه مودعةً له على أمل اللقاء القريب، الذي لم يأتِ أبدًا فقطار الموت الهادر اختطفها من بين ذراعيهِ، وألقى بها في تخوم اللاعودة، غدا بعدها يتجرع كؤوس الألم، تباعًا، كأن أبواب الحياة أغلقت بوجههِ. 

اختزلت برحيلها كل حروفه، وغدت الأحرف تخرج من بين شفتيه مقطوعة الرأس ضائعة بين صخب هواجسه... 

وكما أن الفرح يخرج الحروف قصائد مموسقة، كذلك الحزن، يعزف نوتاته فتنساب أنهر حبر على ورق الحياة لتخلد أسطرًا تصف عمق الاسى الذي يملأُ جوارحه.. 

استلّ قلمه وشرع يترجم شفرات الفراق على شكل حروف مغمسةٍ بالدمع وقليلًا من النور...