مرأى الغروب وعبادي العماري بقلم الكاتب المبدع عباس حيدر

تتيه الفكرةُ أمام المنظر البديع.. فيتحول التفكيرُ بكامل تركيزه فيما تنظر له العين.. الهدئةُ والسكون، مُقومان أثيران.. تبدأ اللغةُ بالتكاثر والنمو والأزدهار.. اللغةُ زادي.. والمناظر زاد لُغتي.. للأغنية مكانٌ عندي لا يُزاحم، وإنْ أحتكَّ به عاملٌ آخر.. تراجعَ مقتنعاً أنه قصد المكان الخطأ.. الأغنيةُ وقود شجني، وذروة عاطفتي، وطريق ذاكرتي.. الأغنيةُ أنيسي وعزائي.. الأغنيةُ هي العذابُ الذي به أُشفى. تخفتْ الشمسُ مُنذرةً بأنتهاء وقتها.. تنكمش وتُحدد حدودها.. فتتكور على شكل قرصٍ وهّاج.. جمالٌ يُسبغ على الأفقِ جمالاً آخر.. تطوفُ الصورُ مثل الحجيجِ برأسي.. وأنا جالس على ربوةِ الأسى.. أستذكرُ تعاويذَ الصمود والتحمُل.. آه، عبادي العماري وسامحيني، تلك الأغنية الرهيبة.. أتذكر ذلك النص اللعين.. وما تلاه من زَعلٍ وخلاف.. إن ساعةَ زعلّكِ، لأشد عليَّ من ساعة الموت.. لا أتحمل رؤية الحزن في عينيك أو في نَبرت صوتكِ حتى لو كانَ حزناً بسيطاً غير مهم، فكيف إذا كنتِ زعلانةً أي حزن مضاعف والسبب أنا..؟! أفف، شعرتُ وقتها أن السماء أطبقتْ عليَّ، ضيقٌ خانق، ألمٌ يُحطم أضلاعي، يدٌ قوية تعصر قلبي، مُدى حادة تُمزق أحشائي.. كنتُ - وإلى الآن - مستعدٌ لأقبل أي عذابٍ في سبيل ألا أراكِ حزينة أو زعلانة.. كنتُ - وإلى الآن - أتمنى أن تكوني في حالة بهجة وسعادة وأنتشاء في كل الأوقات. أنا أحبكِ بصورةٍ غير طبيعية.. لا يمكن أن أتحمل معها أي أذى من الممكن أن يصيبكِ. أنا مجنونٌ بكِ! أُلملمُ جفنيَّ.. لأُمسك بصورتكَ (عبادي) وأنتَ تقفُ بكامل حزنك الأنيق وشجنك الجميل، بكامل سمارك الجنوبي الخام، وصوتك الرخيم المعتق. تقف أمام جمهور معذّب.. يجد في فنِّكَ مقاومةً وتمرد وأبدية.. بالعذابِ يُشفَون.. هو ليس شفاءً واقعياً وإنما إيهاماً أو وهّماً.. ونحنُ تَوّاقون للأوهام، مُعانقون لها. يا حبيبتي، يا عزيزتي، يا عيّني، يا قلبي، يا روحي، يا كل ما وهبني الربُّ مِن هِباتٍ عِظام، يا كل شيء.. العذابُ.. العذاب، اللعنةُ.. اللعنة.. هذه الحياة عذاب ولعنة.. ولا سبيلَ لقتلِ العذاب وهدم اللعنة إلا بالحب. الحب إيمان.. وأنا شكاكٌّ ملحد مع جميع موجودات الكون.. إلا معكِ فأكونُ مؤمنٌ قويم. وأنتَ يا عبادي أيها العَذِب المُعذَّب، وكما للشمسِ طقسها وقت المغيب.. ولها جمالها ومرآها في الغروب.. لكَ ألقكَ وتألُّقكَ وأنتَ تترنمُ.. ( يا طِلبتي البالعمر والعمر ينطي البشر بالدنيا طِلبه ) . وأنتِ يا كل شيء.. طِلبتي في هذا..