نجوم كاذبة بقلم الكاتبة المبدعة د. أفياء الشاهين
الضحكاتُ ترعى في سقف الغرفة مثل قطعان غيومٍ زهريّة، كركراتُ الصغار وهم يفترشون حضنَ والدهم، بدت كأصواتِ بلابلَ تُناغي ربيعَ الأيام…
– شكو؟
ليش ملتمّين؟
صاير شي؟
جاوبيني يمّه…
طرح نهرَ أسئلته، ولكن لا مصبّ يجمع الأجوبة. لاحظ أن ظلَّ والده قد تلاشى من بينهم…
– أبوي بي شي؟
عاود قرعَ طبلِ السؤال.... وهنا انبرى الجدُّ ليجيبه عن كل ما حملته بُوْتَقَتُه من مخاوف:
– أبوك اختطفوه جماعة ما نعرفهم.
هنا رَكَسَتِ الأرضُ من تحته، وتهاوت سنواتُه الستّ عشرة من على دكّة الوجع.
قبل ساعاتٍ كان يصارع أسئلةَ الكيمياء، ولم يدر في خلده سوى إتمام الامتحان والإقفال راجعًا ليبلغ والده بجميل إجابته، أمّا الآن فقد تخشّبتْ كلُّ الأصوات في مسمعه، كأن عواصفَ تعدو برأسه، فيولولُ قلبُه بصوتٍ مبلولٍ يرتجي أن يكون كابوسًا شارف على الزوال.
رمى بجسدَه المحزون في حضن والدته، فأمطرتْ عليه دموعُ شتاءٍ قد لاح رأسُه قبيل الأوان…
هرولت شقيقتُه جنبه تطلب حضنًا يكفيها مؤونةَ الأمان.
الأعمامُ والأخوالُ والجدُّ—الجميعُ—تناوبوا ليطمئنوه بعودةٍ قريبةٍ تَفُلُّ قيدَ الساعات الثكلى…
الأيامُ التي تلتْ كانت حافلةً بالتفتيش اللامتناهي بين مراكز الشرطة والمستشفيات ومقرّات الأحزاب، ففي هذا البلدِ المنطفئ، الكلُّ يحمل مشاعلَ تائهةً لا تُنير طريقَ الباحثين عن الأمان... فحين يغيب قمرُ اليقين، تتعدّدُ النجومُ الكاذبة…
ظلّ ملازمًا لعتبة الباب، ينتظر الظلَّ الشريدَ علَّه يعود، يطالع الغدَ المنطفئ بعيونٍ غادرها البريق. تشتّتت ذراعاه بين والدته وشقيقته: على مَن يحنو؟ ومَن منهما يحضن؟ وأيّهما يربّت على حزنها؟
حتى سنواتُه الفتيّة لم تشفعْ له أمام قطار الوجع الذي صهَرَ تحت عجلاته كلَّ أيّامه القادمة…
تناسلت الأيامُ لتغدو أسبوعًا، لا خبر عاد ولا أمل لاح. عتبةُ الباب هشتْه بعيدًا حين دفن أمنياتِه عندها.
اتكأ على جدار الليل الطويل، يغزل أحلامَ عودةِ والده بمغزل الغدِ الذي لا يأتي…
كان ثمن المطالبةِ بحقّ الحياة باهِضاً. والسؤال الذي ظلّ قابعًا في كُوّة رأسه يطرقه كلما مال على وسادته:
(هل كان والدي سيتسرّب من بين أنامل الحياة، لو لم تأخذه ساقاه ليطالبَ بحقّه بالتعبّد في مسجدٍ تكالبتْ حوله خفافيشُ الظلام، لا لشيء… إلا بدعوى الاختلاف المذهبي؟)
في ساعات الليل الأخيرة، وبعد أن أصاب قلبه اليباس، صمت خياله لبرهة، اشتعلت لمبة الأمل في بواطنه من جديد، فحملته رجلاه خارجًا، تقوده عصافير الشوق لكن هذه المرة ليس باتجاه الباب، بل رفع قامته الفتيّة، ومدّ رأسه من خلف السياج، ليطالع الطريق بعينين سادرتين ترتجيان أملًا يُكحِّل الغد…
الكاتبة زهراء الفتلاوي