أهلاً يا أمي بقلم الكاتبة المبدعة نبا عدنان
أخشى أن يلتهمني التراب قبل أن أخرج هذا السر من
صدري، مضت ثلاثون عاماً ومع ذلك ما يزال ذلك
اليوم يعتصرني كقبضةٍ لا ترحم، يؤرق جفوني، يعبث
بعقلي ويعود إلي حياً كأنه حدث البارحة، فنوبات
الاضطراب التي تعصف بي والهلاوس التي تتراقص
أمام عيني ما كان جنوناً قط، يا أمي بل وجع استعصى
على الكتمان، فشق لنفسه دروباً ملتوية ليغادر أعماقي.
لم أفقد عقلي لكنني ارتكبت ذنبا فيما مضى، إنه خطيئة
ظلت تلاحق روحي!. لم أكن لأسامح نفسي عليه يوماً.
بسببه فقدتكِ حتى غدوتُ لا أعرفكِ! غزا الشيبُ شعركِ
بهدوء موجع، غارت عيناكِ حتى خُيل إلي أن الحزن
كان يقتات من ضوئهما ليلة بعد أخرى، لم يبقَ منكِ
سوى ملامح شاحبة، أصبحت لم ارى سوى ظل باهت
يجول بالبيت كالأموات، لن أنسى الليالي القاتمة التي
كنت تأوين فيها الى السماء، تسكبين إليها كمدك وقد
انهمرت دموعكِ على وجهك انهماراً عاصفاً، حتى بدت
كأنها حفرت في ملامحكِ أخاديد أبدية من الأسى، فصار
القهر مقيما في تقاطيعكِ. لطالما أثقلتني وخزات الضمير
أمي أنا من أزهقت روح أخي!
لطالما آثرتموه عليّ، أغدقتم عليه من الإجلال والمحبة
ما لم أظفر أنا بفِتاته. كلما نظرت إليكم أدركت أن كفة
قلبكم كانت تميل إليه دوما!. لقد ذقت ذرعاً، لم أحتمل
بأنني لا شيء بالنسبة لكما، كأنني ورقة شجرة يابسة
أصبحت منسية بعد سقوطها، حملتني غيرتي الطفولية
على دفعه إلى الماء، لكن عندما بدأ صوته يتعالى
مستغيثاً بي، لم أستطع فعل شيء سوى مناداتكِ لنجدته.
إلى الآن مازال صوته يصدح في رأسي كل لحظة
كجرس فاجعة لا يتوقف، يوقظ داخلي ذلك الألم مراراً
دون رحمة مما يجعلني أهرب الى الفراغ وأهوي
برأسي على الجدران كمن يحاول إسكات ذلك الضجيج
الذي ينهض روحي بلا رحمة، هذه رسالتي الأخيرة
وأنا أعتذر فيها إليكِ عن كل الأسى الذي سببته إليك
عندما تصلكِ رسالتي، كانت قد انتقلت روحي إلى حيث
المأوى.
المرسل: قتيل الماضي.
الكاتبة زهراء الفتلاوي