قصيدة رؤيا بقلم الكاتبة المبدعة د. أفياء الشاهين
رؤيا
أطلتُ الإنصاتَ للخطى الصغيرة وهي تجري بخفةٍ، في الممر الصغير؛ عاودتُ السماع بدقةٍ، وكلي أملٌ في أن تكون خُطاها تلك التي تعودتُ على سماعها، كلما هَمت إليّ بعد استيقاظها من النوم، تبحثُ عني في أرجاء المنزل، تطلبُ حضنًا صباحيًا وترتجي حنانًا.
بهلعٍ هممت للوقوف، وجلتُ الصالةَ بحثًا عن صاحبة الخطوات الملائكية..
فتشتُ وراء الأريكة والستارة، لمحتُ خيالها يهربُ سريعًا باتجاه المطبخ..
- لا بدّ أنها عطشى (هذا ما جال في خاطري)، وأنا أرى خيالها يندفع نحو المطبخ؛ فقد اعتادت في كل يومٍ بعدَ رجوعها من المدرسة أن تسابق الريح لشربة ماءٍ باردٍ من الثلاجة، كنت أُوبِخُها بشدة لشربها المياه على عجلٍ دون أن تأخذ نفسًا.
دخلت ُالمطبخ بعجالةٍ؛ لكني لم أرها !استغربت ُلسرعة خروجها من المكان دون أن ألمحها، لكن سرعان ما سمعت خطواتها الصغيرة وهي تتراقص على السلم، تتبعها ضحكاتها الشقية التي طالما رنّمت آذاننا بها وهي تصعد السلالم هاربةً من حل واجباتها المدرسية. سارعتُ خلفها بخطواتٍ رشيقة، فأنا لا أريد أن أُفوّتَ مشهد إمساكي بها متلبسةً بالعبث بأدوات الزينة خاصتي،
مشيتُ ببطء دون إحداث ضجةٍ تُذكر، دخلت الغرفة على رؤوس أصابعي؛ لكني لم أشاهدها تتوسط مرآتي، وتعبث بأقلام أحمر الشفاه كما هي عادتها !
خيم الصمت المطبق على أجواء الغرفةِ وأنا أتمعن النظر في زواياها علّني ألمح لها وجودًا، حتى تداعى لمسمعي صوت حركةٍ خفيفةٍ في خزانة الملابس؛ دَببتُ بهدوءٍ متحديةً كل قوانين الصوت، لأمسك بها كما اعتدتُ عندما كنا نلعبُ لعبة الاختباء.
جررت قبضة الباب بخفةٍ وهدوء، لأفزعها؛ فتهرعُ لحضني وهي تكركر ببراءة كما في كل مرة.
- أمسكتكِ يا شقية (صحتُ بقوةٍ).
وأنا افتح باب الخزانة، مع ضحكةٍ مجلجلة سرعان ما سرقت من بين شفتي عندما شاهدتها تبكي في الخزانة.
تبلدتُ في مكاني، ما عادت ساقايّ تسعفاني على الوقوف وأنا كلي استغراب مما يجري، لأفيق من استغرابي على صوت زوجي وهو يأخذ بيدي، ويحضنني باكيًا ويتمتم:
- هي في مكانٍ افضل فقط اهدئي..
- سآخذكِ غدًا ونزور قبرها!
حينها فقط أحسست أن الهواء سُحب من رئتيّ، وصرختُ من أبعد عمقٍ في داخلي وأنا أخبره أنها تبكي في الخزانة لا في المقبرة..
الكاتبة زهراء الفتلاوي