مرأى الغروب و مالك بن الريب بقلم الكاتب المبدع عباس حيدر

النهارُ يتهادى منحدراً.. والشمسُ تخنس مختفيةً.. والأفقُ يانع كخديها في أول لقاء..

كنتَ تحب أن تسمعها وهي تمدحكَ.. تتأمل كلمات المديح المبطن بأعحابٍ ساحر. كنتَ تحب سماع كلماتها وهي تتوالد من فمها وتطوف على مسمعيك.. فتبتهج وتُسعد وتُفاجئ ويرقص باطنك بأحلام تزدحم وتزهر.. وترسم في الخيال مشاهد فردوسية وتُمنّي الروح بالسعادة الأبدية والنفس بخلود الهوى والكيف.. تحت لون الشفق الساحر كانت الطرقات حالمة وسالكوها حالمون.. وهذا إبن الريب على ظهرِ جواده الأشقر الضارب إلى الحزن.. قاصداً منفاه الأخير، يسير تائه الفِكر، في بُهمة الحيرّة غارقاً لا حاضر له ولا مستقبل، إذ نقلهما إلى الماضي الأبدي.. تمهلْ يا سيدي وأعرْني صمتك.. أيعزُّ عليك العيشَ والموت والدفن بعيداً عن وادي الغضا ( وطنك ) ؟ وبعد طول البُعد، تتمنى المكوث بأرضك ولو ليلةً..؟ فليسمع إذن كل المزيفين والشحاذين واللصوص والكذابين .............. مرةً حاولتَ لثم ثغرها وحدث.. لكن لمْ تكرر المحاولة، لِمَ ؟ ومرات لا تُحصر ولا تُعد حاولتَ أبقاء المشهد ( مرأى الغروب ) على حاله أي إيقاف الزمن ولم تفلح، لِمَ ؟ وهذا إبن الريب الغريب، يحدثكَ عن تناقض القول والفعل والمسرح العابث: "يقولون لا تَبعُد وهم يدفنونني وأين مكان البُعد إلا مَكانيا" ويحدّثك عن غربته و وحدته وحسرته وخيبته: "غريبٌ بعيدُ الدار ثاوٍ بقفرةٍ يَد الدهر معروفاً بأن لا تدانيا" وأنتَ تريد الذهاب إلى حيث محل الغمامة البرتقالية.. ماهذا التفكير النَزِق وما هذه الرغبات الطفولية! آه.. نسيت أنك تعتبر الطفولة هي المرحلة الأصدق في العمر.. لكن هذا وهم أيضاً.. وعلماء النفس يؤكدون ذلك . كيفـ ؟ سأقول لك لاحقاً حين تشرب شايّك المعتاد بعد العشاء.. وأنت تحب الخمرَ وتخشى الوقوع في الحفرة، وتعرف جيداً أن الشُرّبَ عند أهلك جريمة وأنتَ تخاف الجريمةَ _ وفي نفس الوقت معجب بـ (راسكولنيكوف) ! _ ... لذلك دائماً تَجبُن وتنثني .. وتنام ورأسك مهشمٌ بسبب أحداث بعضها لم يحدث بَعدُ لكنّك مريض بها..إبن الريب وجواده وأنتَ وكتابك.. إبن الريب يموتُ ويترك أثراً وميتةً ذات معنى.. وأنتَ يقتلك الفِكر ولا أثر لك وميتتك سخيفةً في ما يبدو للفاهم بأحوال الموت المبكر.. انفضْ من رأسك أفكار الجنون.. فإبن الريب يمضي طاوياً الطريق على متنِ أغرٍ كريمٍ ينطلقُ خبباً.. وهو الآن يختفي عن ناضريكَ ولم تجرأ حتى على مناداته.. قمْ وأذهب لبيتك فهذا آذن المغرب يتصاعد بنغمٍ وتير.. وذرات الظلم تتشكل وتريد أبتلاعك..