المرأة التي تبني نفسها بصمت بقلم الكاتبة المبدعة هبه انس

منذ نعومة أظفارها لم تكن كائناً عادياً يرضى بالخطوط المستقيمة كانت دائماً تلك الطفلة الشغوفة الطموحة التي تنظر إلى الأفق البعيد وتسأل عن المستحيل .

أحبت الحياة بكل تفاصيلها وعشقت التغيير كقانونٍ للنمو .

 لم تستهوِها الأشياء المألوفة يوماً بل كانت تنجذب بالفطرة إلى كل ما هو ملفِت مختلف، ونادر إلى ذلك الإبداع الذي يترك خلفه دهشة لا تزول .

لكن كما يحدث في كل حكاية عظيمة كان لا بدّ للرحلة من منحنًى غامض .

 مرت بها فترة خفتت فيها الأضواء من حولها ، فظنّ الجميع ، متعجلين ،أنها خسرت الرهان وأن قطار النجاح قد فاتها إلى الأبد .

رددوا في غيابها عبارات الإحباط ورسموا لها نهاية تشبه قصر مخيلتهم.

ما لم يدركه هؤلاء هو أنها لم تكن منكسرة كانت فقط في مرحلة "اعتكاف إبداعي".

كانت بحاجة إلى تلك العزلة الاختيارية إلى الابتعاد عن صخب الثرثرة وجلبة التوقعات لتعيد ترتيب فوضى الذات ولتعرف من أين تبدأ وبأي الأدوات ستصنع اسماً وأثراً لا يمحوه غبار الزمن .

في تلك العتمة المؤقتة كانت تعمل على نفسها بلا هوادة تضع حجراً فوق حجر وتنسج من صمتها خطة للمستقبل .

لم تكن تفكر في نجاح واحد بل كانت تهندس لأحلامٍ متعددة تنمو معاً في وقت واحد كمن يزرع بستاناً كاملاً ويسقيه بالصبر والدأب ممسكةً بأكثر من مهارة وعمل في آنٍ واحد .

والآن.. حانت لحظة الإعلان .

خرجت إلى الضوء لا لتتحدث بل لتدوي نجاحاتها وتتحدث هي عنها .

 أعلنت عن تحقيق أحلامها التي ظنوها مستحيلة وأثبتت في الواقع ما عجزت مخيلاتهم عن استيعابه .

 تركت الصدمة تعلو الوجوه والهمسات المتعجبة تتساءل في دهشة: كيف حدث هذا؟ وكيف استطاعت العمل على أكثر من واجهة وبلوغ القمة في آن واحد ؟

الجواب يكمن في عمق صمتها: هي لم تكن يوماً إنسانية فاشلة بل كانت امرأة تُتقن لغة البناء في الخفاء وتحتاج للغياب كي تولد من جديد .

واليوم وهي تقف على أرض صلبة ما زالت مستمرة في العمل ما زالت تتطور لأنها أدركت أن النجاح ليس محطة وصول بل هو أسلوب حياة .

تحية إلى تلك العزلة التي تصنع العظماء وإلى كل يدٍ راهنت على السقوط فمنحت أصحاب الطموح دافعاً أكبر للتحليق تلك المرأة هي الدليل الحيّ على أن الصمت أحياناً ليس إلا مقدمة لعاصفة من الإنجاز وأن الأثر الحقيقي هو ذلك الذي يُبنى في الخفاء ليضيء في العلن .