حبيبي كوميديان: هل أنت خفيف الدم أم فقط مستفز؟! بقلم الكاتبة المبدعة زهراء زهير

حبيبي كوميديان: هل أنت خفيف الدم أم فقط مستفز؟! بقلم الكاتبة المبدعة زهراء زهير

حبيبي كوميديان: هل أنت خفيف الدم أم فقط مستفز؟!

عزيزي القارئ، لقد كتبتُ مسودتين قبل أن أستقر على النسخة النهائية. في المسودة الأولى، كنت أحاول أن أكون مضحكة؛ لأنني أتكلم عن موضوع يخص الضحك. أما في المسودة الثانية، فحاولت أن أكون فلسفية ومتعاطفة، وأشبه بالمعالج النفسي. أما في هذه النسخة، فلن أكون أيًّا منهما، بل سأتكلم عن رأيي الشخصي، الذي ربما لا يمتّ إلى واقعكم أو آرائكم بصلة، لكنه على أساس ما رأيته واختبرته في الأيام الماضية.

اخترتُ تسمية هذه المقالة «حبيبي كوميديان». كلمة «حبيبي» هنا لم تكن للحميمية أو الحب، بل على العكس، كأنها محاولة للاستهزاء أو السخرية (حتى أنا أصبت بالعدوى).

أرى أن الضحك في الآونة الأخيرة لم يعد هدف النكتة، بل أصبحت السخرية الهدف الأوحد من إطلاق النكات. فتراه يركّز ويراقب: متى يزيد الجرعة؟ ومتى يقلّلها؟ ومتى يتوقف؟ ومتى يبدأ بالتكلم مرة أخرى؟ وعندما يختار اللحظة المناسبة:

«وكوووووووووووول، الله عليك يا حبيب والديك».

يضعون على الطاولة كل ما بإمكانهم، ويكشفون لك أوراقهم كلها، فقط ليبدوا مضحكين.

لن أتكلم هنا عن الرجال المضحكين بالفطرة، أولئك الذين تكفي كلمة واحدة منهم لتجعلك تضحك، ولا عن الرجل الكوميدي الطبيعي الموجود في كل عائلة أو في كل جلسة، والذي يُسمّى «ملح الكعدة». لن أتكلم عن هذا النوع، بل عن نوع آخر: شخصية المستظرف.

يحاول هذا الشخص أن يستظرف أو أن يؤدي دور الكوميدي، فيجبر النكتة على الخروج، مع أن الكوميديان الطبيعي لا يحتاج إلى بذل الجهد ليبدو مضحكًا؛ فهو، تلقائيًّا، يرى شيئًا يعلّق عليه، وينتهي الأمر بسلاسة وعفوية.

أعرف أن كلمة «عفوية» أصبحت متداولة الآن بطريقة ساخرة، ومستهلكة ومبتذلة، للأسف. حتى إن هذه الكلمة أصبحت نكتة بحد ذاتها؛ فأن تكون عفويًّا اليوم، في هذه الفترة من الزمن، يعني أنك مصطنع!

وهذا بالضبط ما سمعته من إحدى الفتيات، حين حاولت قمع أحد الشبان الذي أطلق تعليقًا ساخرًا في سياق لا أذكره حاليًّا، فقالت له: «هل تحاول أن تكون عفويًّا؟».

لكنني سأستبدل كلمة «عفوي» هنا بكلمة «مضحك». فهو يحاول أن يكون مضحكًا، ويريد أن يكون كوميديًّا، بغض النظر عن الموضوع أو الأسلوب أو الطريقة. وكما قلت، فهو يحاول جاهدًا أن يجبر نفسه على أن يكون كوميديًّا.

وليس من النوع الذي سوف يستسلم أو يتعذّر... لا، لا، لا! يتحول الموضوع إلى استفزاز: مَن سيفوز في هذا الشوط، هو أم أنت؟

وذلك في محاولة بائسة لإثبات الحضور. كنت أعتقد أن غيرة الرجال تقتصر على النجاح والإنجازات، ولم أكن أعرف أنها تتمحور أيضًا حول مَن سيكون أكثر كوميدية، ومَن سيطلق نكات أكثر.

يتصاعد الموضوع من نكتة بسيطة إلى أسلحة!

عندما حاولت التكلم في هذا الموضوع مع أحد الشباب، قال لي: «أنتِ لا تفهمين مزاح الشباب أو طريقة المزاح بينهم؛ فأنتِ فتاة».

قلت له: «ما قصدك؟ هل يمكنك إيضاح الأمر بالنسبة إليّ؟».

قال: «أنتنّ الفتيات حسّاسات وتراعين مشاعر المقابل، لكن نحن الشبان لا».

فقلت له: «هل كسر الخواطر، برأيك، نكتة؟».

قال: «لا، لا، لا! الأسلوب هو أساس النكتة».

فقلت له: «هل الاستهزاء أو السخرية أو النكتة المبطّنة بإهانة، أو الإهانة المبطّنة على شكل نكتة، هو أسلوبكم؟».

قال لي: «نعم، ولِمَ لا؟ إنه مضحك. نحن لا نهتم مثلكنّ؛ أنتنّ حسّاسات».

وهكذا أصبح الموضوع وكأن النساء حسّاسات تجاه الكوميديا، بينما الرجال يتقبلون هذا النوع من المزاح؛ لأنه، ببساطة، مجرد مزاح.

لكن هل هو فعلًا مزاح فقط؟ وهل الرجل الحسّاس لا يفهم الكوميديا؟

سوف أتفهّم الأمر إذا كان عملك أو مهنتك هي أن تكون كوميديان، أي إنك تتقاضى أجرًا مقابل تلك النكات. لا بأس، فهذا يعني أن هذه وظيفتك؛ أنك تدرس الكوميديا، وتعرف ما الذي يعجب الناس، وتدرس الشخصيات الاجتماعية، وتقابل طبقات مختلفة من المجتمع لتفهم ما الذي سيُضحك هذه الطبقة وما الذي سيُضحك تلك.

يا أخي، حتى في الضحك توجد طبقية!

لا أعلم، ربما يكون هذا رأيي الشخصي، لكنني أرى أن النكتة التي تُضحك صاحب السلطة قد لا تُضحك شخصًا عاديًّا، أو ربما لا يفهمها بالطريقة نفسها. هل تفهمني؟ كأن الضحك، الذي يُفترض أن يكون لغةً لا تميّز بين صغير وكبير، أو غني وفقير، أصبح هو الآخر ينتمي إلى طبقة معينة؛ فهذه النكتة أو ذلك النوع من الفكاهة ينتمي إلى فئة اجتماعية دون أخرى.

أو ربما لديك عرض كوميدي يستمر ساعةً أو عشر دقائق. ستستعرض فيه مهاراتك الكوميدية، وتحاول صناعة الترفيه وإضحاك الجمهور. سوف أتفهّم ذلك، وسأحترمه.

لكن ما الذي ستستفيده من إحراج أحدهم، أو حتى إحراج نفسك، في جلسة عادية؟

هل هي محاولة أو طريقة للدفاع عن نفسه؟ أو، بمعنى نفسي أدق، وسيلة للدفاع أم وسيلة للهجوم؟

«لن أضربك، ولن أُشهر سلاحي في وجهك، بل سأطلق نكاتي! سأقتلك بقهقهاتي أمام الحضور الجالسين، وسأجعل منك أضحوكة».

إذن، قد تكون محاولة الإضحاك وسيلةً للهجوم، أو لشنّ هجومٍ يُحرج به أحدهم، وربما تكون وسيلةً للدفاع، كما قلنا، أي لحماية النفس.

وربما لا يكون الأمر بين الرجال مجرّد تنافس على مَن سيكون أكثر كوميدية، بل يتحوّل إلى مواجهة: أحدهم يهاجم، والآخر يدافع، لكن كل ذلك يجري تحت مسمّى الضحك، أو بحجّة أننا نمزح!

يُذكّرني هذا بلعبة التنس، أو كرة المضرب؛ واحد يضرب الكرة، والآخر يردّها، وهكذا يستمر تبادل الضربات. أو، كما يتناوله الشارع العراقي: «واحد يرفع وواحد يكبس».

وفي هذه النقطة، لا أتكلم عن الرجال فقط، بل سأضمّ نفسي، كامرأة، إلى هذا السياق أيضًا. فأنا أستخدمه كآلية دفاع، أستخدم السخرية، لأحمي نفسي. من ماذا؟ من هذا المجتمع.

ربما حبيبي الكوميديان يحاول فقط حماية نفسه، أو يحاول لفت الانتباه، أو استفزاز أحدهم واستنزاف طاقته. أو، بمصطلح عراقي: «شوفوني، تره آني أضحّك!».

لكن يا رجل، أنت تضحك على نكتتك، أو على العبارة التي تقولها، حتى قبل أن نفهمها! فيُجبَر المقابل على الضحك، ليس لأنها فكرة مكتملة أو لأنها فعلًا مضحكة، بل لأنك تسبقها بضحكتك، وكأن الضحك أصبح مفروضًا علينا!

هل الأمر مهم إلى هذه الدرجة؟ يعني، إما أن تقول خيرًا أو تصمت.

وهذا لا أراه بين الزملاء أو الأهل أو الأقارب فحسب، بل حتى في الشارع، وعند سائق الأجرة، وفي المحلات والأسواق، وعند المقهى الشعبي الذي يُسمّى «الكهوة».

هل محاولة الإضحاك المستميتة هي نداء لشيء ما؟ هل هم بائسون إلى هذه الدرجة؟ أم أن الضحك هو الوسيلة الوحيدة، أو المتنفّس الوحيد، للرجل العربي أو العراقي؟

هل أنت فعلًا خفيف الدم؟ هل تعي ما تقول؟ أم أنك فقط شخص مستفز؟

قرّر ذلك.

أراك لاحقًا.