رقصة الغبار على عقارب الذاكرة بقلم الكاتبة المبدعة ايمان احمد العبيدي

رقصة الغبار على عقارب الذاكرة بقلم الكاتبة المبدعة ايمان احمد العبيدي

في زاوية منسية من مدينة تغلفها الضباب، كانت ورشة "إلياس" للساعات القديمة تنبض بصمت ثقيل. لم تكن مجرد ورشة، بل كانت متحفاً للزمن المتوقف. كان إلياس، بسبعين عاماً من العمر، آخر صانع للساعات اليدوية في المدينة، لكن عدوه اللدود لم يكن الزمن، بل "النسيان" الذي بدأ يسرق ذاكرته قطعة قطعة، مثلما تسرق الجرذان فتات الخبز.كان لدى إلياس هدف واحد يحافظ على بريق عينيه الباهتين: إصلاح ساعة جيب فضية قديمة، توقفت عقاربها بالضبط عند الساعة الرابعة وعشر دقائق، اليوم الذي توفيت فيه زوجته "ليلى" قبل عشر سنوات. كان يؤمن بخرافة قديمة ورثها عن أستاذه: "إذا أصلحت الساعة التي توقفت عند لحظة الفقد، سيعيد الزمن لك الكلمة التي نسي أن تقولها". المشكلة أن يديه كانتا ترتجفان، وذاكرته كانت تمسح تفاصيل وجه ليلى يومياً، بما في ذلك آخر كلمة همست بها قبل أن تغلق عينيها.

في أحد الأيام، دخلت الورشة فتاة شابة تدعى "نور"، عرضت نفسها كمتدربة تبحث عن عمل. كانت هادئة، بديهية، وتعرف أماكن الأدوات بدقة غريبة. قبلها إلياس، رغم تحفظه، لأنه كان بحاجة ماسة ليدين ثابتتين تساعده في تركيب التروس متناهية الصغر.

بدأت أيام من العمل الشاق والصراع الداخلي. كان إلياس يجد أحياناً ملاحظات مكتوبة بخط يده هو نفسه، لكنه لا يتذكر كتابتها: "لا تضغط على الزنبرك الرئيسي بقوة"، أو "هي تحب رائحة الياسمين، لا تنسَ ذلك". 

كان يشعر بأن عقله أصبح متاهة، وأن هذه الفتاة "نور" هي الخيط الوحيد الذي يمسك به لئلا يضيع تماماً.

في ليلة عاصفة، وبينما كان إلياس على وشك اليأس بعد أن كسر ترساً صغيراً بيده المرتجفة، انفجر غضبه وكاد أن يحطم الساعة الفضية. هنا، تدخلت "نور" بسرعة، أمسكت بيده برفق، وهمست بلحن قديم كان إلياس وزوجته ليلى يغنيانه لحفيدتهما الصغيرة عندما كانت طفلة.

تجمد إلياس في مكانه. نظر إلى عيني الفتاة، وفجأة، تراكمت التفاصيل: طريقة ابتسامتها، تلك الخصلة من الشعر التي تعاند التسريح، وحتى رائحة الياسمين الخافتة التي تفوح منها. لم تكن "نور" متدربة عابرة. كانت "ياسمين"، حفيدته الوحيدة، التي لم يرها منذ خمس سنوات بسبب خلاف عائلي، وجاءت لتعتني به سراً، متخفية باسم مستعار حتى لا تجرح كبرياءه أو تذكره بفقدانه للذاكرة.

الأكثر إيلاماً كان ما وجدته ياسمين في درج سري بالساعة لم ينتبه إليه إلياس: رسالة صغيرة بخط يده هو، مكتوبة قبل أن يتفاقم مرضه: "أنا من كسرت هذه الساعة بيدي في لحظة غضب ويأس بعد رحيل ليلى. سامحني يا حبيبتي". لم يكن الزمن هو من أوقف الساعة، بل كان حزنه هو من كسرها.بدموع صامتة، أرشدت ياسمين جدها بلطف، وكأنها مجرد متدربة، لوضع الترس الأخير. وبمساعدة يديها الثابتتين ويديه المرتجفتين، دار المفتاح.

 تيك... تاك... تيك... تاك.

دقت الساعة للحياة. ومع أول دقة، انهار سد الذاكرة. تذكر إلياس كل شيء. تذكر وجه ليلى، وتذكر آخر كلمة همست بها وهي تودعه: *"لا تدع الوقت يسرق حبك يا إلياس، الحب أبدي"*.

نظر إلى ياسمين، وفي تلك اللحظة الوجيزة، اختفى الضباب من عينيه. ابتسم ابتسامة صافية، ومد يده ليمسك خدها، وقال بصوت واضح لم يسمعه منها منذ سنوات: "أهلاً بكِ يا قطعة من ليلى".

في صباح اليوم التالي، استيقظت ياسمين في الغرفة المجاورة للورشة على صوت دقات الساعة المنتظمة. دخلت لتجد الورشة مضاءة بضوء الصباح الخافت. الساعة الفضية كانت تعمل بانتظام على الطاولة، وبجانبها رسالة جديدة مكتوبة بخط مرتجف جداً:

  شكراً لأنكِ أعدتِ لي الزمن يا حبيبتي .

لكن الكرسي كان فارغاً، معطف إلياس القديم لم يكن في مكانه، وباب الورشة الخلفي الذي يؤدي إلى الحديقة الضبابية كان مفتوحاً على مصراعيه.

هل وجد إلياس أخيراً السلام الداخلي وغادر ليبحث عن ليلى في مكان ما خلف الضباب؟ أم أن ذاكرته انهارت تماماً في تلك الليلة، وتاه في شوارع المدينة وهو يحمل فقط إحساساً غامضاً بأنه يجب أن يذهب "إلى المنزل"؟

بقيت الساعة تدق على الطاولة، تقيس الوقت الذي لم يعد له معنى، بينما وقفت ياسمين عند الباب المفتوح، تنظر إلى الضباب، وتنتظر... لا تعرف إن كانت تودع جدها للأبد، أم أنه سيعود مع شروق الشمس التالي.

الكاتبة إيمان احمد العبيدي